ثم رجَّح ابنُ جريرٍ القولَ بأنَّها فاتحة الكتاب؛ لِما رُوي من الحديث عن النبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وذكر روايات الحديث: عن أبي هريرة"أن النبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لأُبَيِّ بن كعب: (( ألا أعلِّمُك سورةً ما أُنْزِل في التَّوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مِثْلُها ... ) )- الحديث [1] ، ثم ذكر حديث أبي سعيد بن المعلَّى - ثم قال ابن جرير: فإذا كان الصَّحيح من التأويل في ذلك ما قُلْنا؛ للذي استشهدنا به، فالواجب أن تكون"المثاني"مرادًا بِها القرآنَ كلَّه، وإذا كان ذلك كذلك، كانت"المثاني"جَمع مثْناة، وتكون آيُ القرآن موصوفة بذلك؛ لأنَّ بعضها يَثْنِي بعضًا، وبعضها يتلو بعضًا بفصول تفصيلها، فيعرف انقضاء الآية وابتداء التي تَلِيها، كما وصفها به الله تعالى، فقال:"اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ"؛ اهـ."
وقال البغويُّ: وعلى القول بأنَّ القرآن كلَّه مثانٍ: الْمراد بالسبع: سبعة أسباع القرآن، فيكون تقديرُه على هذا: وهي القرآن العظيم، وقيل: الواو مُقْمَحة، مجازه: ولقد آتيناك سبعًا من المثاني القرآنَ العظيم؛ اهـ.
وقال الحافظ ابن كثير - بعد أن ذكَر حديث أبي سعيد بن المعلَّى:"فهذا نَصٌّ في أنَّ الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا يُنافي وصْفَ غيرها من السَّبع الطُّوَل بذلك؛ لِما فيها من هذه الصِّفة، كما لا يُنافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضًا، كما قال تعالى:"اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ"، وهو القرآن العظيم أيضًا، كما أنه -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا سُئِل عن المسجد الذي أُسِّس على التقوى: أشار إلى مسجده، والآية نزلَتْ في مسجد قباء، فلا تنافِيَ، فإنَّ ذكر الشيء لا ينفي ذِكْرَ ما عداه إذا اشتَركا في الصِّفة، والله أعلم"؛ اهـ.
[1] صحيح: أخرجه ابن خُزَيمة في"صحيحه"برقم [500] وصحَّحه الأعظميُّ، وأحمد برقم [21133] وصحَّحه الأرناؤوط.