كان ذلك مِمَّا صُورته ماثلة اليوم في بيئةٍ من غلَبة عبادة وطاعة الطَّواغيت باسم الشُّيوخ والسادة والرُّؤساء، والعادات والتقاليد، والأهواء والشَّهوات؛ ذلك لأنَّ سادات قريش ومقدَّسيهم وأربابَهم من الأحبار والرُّهبان رأَوْا فيه وفي الحقِّ الذي جاء به من عندِ ربِّه أقسى مِعْوَلٍ لتحطيم أباطيلهم التي يعيشون عليها ويدجِّلون على الطَّغام بِها، ويمكن لهم الدَّهْماء من ذلك البَغْي والدَّجَل بِغَفلتِهم العميقة، وذُلِّهم واستخذائهم بعمى بصائرهم، وغفلتهم عن نِعَمِ ربِّهم فيهم، وعن الحقِّ الثابت في سُنَنه وآياته في أنفسهم وفي الشُّيوخ والموتى، فما دام عمَى هذا التقليدِ يَضْرب على قلوبِهم حجُبَه الكثيفة، فهم عبيدٌ، وأولئك الشيوخ والسادة فراعينُ وأربابٌ، أمَّا إذا انقشعَتْ هذه الظُّلمات وعاد الإنسان يقدِّر نِعَمَ ربِّه عليه، ويعرف كرامته في شخصيَّته المستقلَّة في خَلْقِها وتفكيرها، وعمَلِها وجزائها، ونعيمها وعذابِها، فحينئذٍ تقوم الإنسانيَّة على قدم المساواة في الخَلْق، ويتسابقون في العلم والإيمان، والعمل لِمنازل الزُّلفى والكرامة في الدُّنيا والآخرة، فيَنْزل السادة والشيوخ من علياء ربوبيَّتِهم الوَهْميَّة الباطلة إلى مُساواة الناس في عبوديَّتِهم جميعًا لربِّ العالمين، الرحمنِ الرحيم، مالكِ يوم الدِّين، فتحطَّمَتْ أصنامُهم الباطلة، وتلاشَتْ طواغيتهم، وعاد الإنسان أخا الإنسانِ في شأنه كلِّه؛ في نفسه، وفيما يتنَزَّل عليه من ربِّه، وفيما يصل به إلى رحمة ربِّه، أو غضَبِ ربِّه:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [الحجرات: 13] .