أى ومكنَّاهم في الأرض وجعلناهم أُولي قوة ومنَعَة، وحضارة ومهارة، وحذْقٍ بفنون البناء والعمارة، حتى كانوا يتخذون من جبالها بيوتًا حصينة، حيث كانوا يقطعون حجارتها وينحتونها تسوية لها، ثم يبنون بها قصورهم ليعيشوا فيها آمنين عليها من الهدم، وعلى أنفسهم من العدوان والسوء؛ لقوة بنائها وبديع إحكامها؛ أو آمنين من العذاب لحسبانهم أن الحصون التي بنوها تحميهم منه - وكانوا يتخذون من سولها قصورًا عظيمة في جنات وعيون ... وقد ذكَّرهم بذلك نبيهم صالح عليه السلام فيما حكى الله عنه في سورة الأعراف إذ قال: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} وفي سورة الشعراء إذ قال. {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} . لكنهم طغوا وبغوا وجحدوا بآيات الله ورسالاته: {وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} .
وفي سورة هود: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} .
وفي سورة الأَعراف:"فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ".
والرجفة هي الزلزلة، والصيحة من توابعها، فإِن الزلزلة تحدث تموجًا في الهواء شديدًا يفضى إِليها. وكانت صيحة هلاكهم في صباح اليوم الرابع بعد تمتعهم ثلاث أَيام كما أَوعدهم الله على لسان نبيهم صالح عليه السلام في سورة هود:"فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ".
والفاء في قوله تعالى:
84 - (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) :
لترتيب عدم الإِغناء والنفع، على ما أَصابهم حين نقول بهم قضاء الله الذي لا مرد له.