فإن عرف العبْدُ ربَّه بصفاته وأسمائه، وشكر ربَّه على نعمه وآلائه، ووضعها في موضعها مِن الحقِّ، كان من المفلحين الفائزين بِحُسنى الدُّنيا والآخرة، ومَن أعرض عن تلك الآيات، فعمِيَ وتصامَّ عن دعوتها إيَّاه إلى الحذر من غضب الربِّ الكبير المتعال، استولَتْ عليه الغفلةُ والنِّسيان، فتخَبَّطَ في نِعَمِ الله مُسيئًا ظالِمًا، وما يزال به شيطانُ الإعراض والعمى حتَّى ينسى ربَّه العليم الحكيم، فيذهب بِها باغيًا على نفسه، مبدِّلاً نِعَمَ ربِّه كفرًا، ويرتدُّ إلى أسفل سافلين، ويحلُّ نفسه ومَن مالأَهُ على ذلك، وجرى معه في غيِّه وعماه - دارَ البوار والهلاكِ في الدُّنيا والآخرة، وما ربُّك بغافل عمَّا يعمل الظالمون.
وهكذا كان شأن ثمود في إعراضها عن الآيات البيِّنات في أنفسهم وفي الآفاق، وهو شأْنُ جَميع المعرضين الغافلين، وهي سُنَّة الله في الأوَّلين والآخرين.
عَمِيَت ثمود عن تجدُّد آياتِ ونِعَمِ ربِّها عليها، وتجدُّدِ بِرِّه بعباده ورأفته بهم، مع أنَّها واضحة بيِّنة في تجدُّد ليلهم ونَهارهم، وأكْلِهم وشُرْبِهم، وحركتهم وسكونهم، وتجدُّد الهواء يستنشقونه، والثياب يَلْبسونها، والبيوت يَعْمرونَها، وفي النِّعَم عليهم بكلِّ شيء ينتفعون به في معاش أجسامهم، فعَمُوا وصَمُّوا عن أنَّ مقتضى هذه الرَّحْمة: أن يبعث لَهم رَبُّهم الذي تتوالى نِعَمُه لأجسامهم أخاهم صالِحًا رسولاً مِن عنده، يوقظهم من هذه الغفلة التي أماتت قلوبَهم، وقتلَتْ إنسانيَّتَهم، فكانوا أضلَّ من أنعامهم، وأذلَّ من الحجارة التي ينحتونها ليتَّخِذوا منها الأنصاب والأوثان لآلهتهم وأوليائهم، يلتَمِسون منها البَرَكات، ويَخِرُّون لها رُكَّعًا وسجودًا، بعث الله إليهم أخاهم صالِحًا - والذي يعرفون صدْقَه ورشده وحكمته - ينتشلهم من وَهْدة هذه الحقارة، ويستخلصهم من حمأة هذه السَّفالة؛ لتعود لهم الإنسانيَّةُ التي أكرمها الله وأعلى شأنها، وسخَّر لَها ما في السموات والأرض، ولكن كانت قلوبُهم غير قابلة للبَعْث والحياة؛ لأنَّ أسباب موتِها كانت قوية شديدة؛ لأنَّها كانت قد تغلغلَتْ في كل ركْنٍ وناحية من هذه القلوب فمسخَتْها وأفسدتها.