فحقُّه في العبادة: وقفهم ومنعهم من السَّيْر في سبيله إلاَّ بإذنٍ منه، وتشريعٍ على لسان رسُلِه، وحقُّهم في العيش في حياتهم: فتح لَهم أبوابه على مَصاريعها، وحضَّهم على السَّيْر فيه بكلِّ قوَّتِهم، لا يقفون إلاَّ عندما يوقفهم، ويقول لَهم:"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ" [المائدة: 3] ، ونَحْوُها مِمَّا حرَّم الله وحظَرَ في كتابه وعلى لسان رسوله، فأبَى الظالمون لأنفسهم إلاَّ كفورًا، وذهبوا بما أوحى إليهم الشيطان يشرِّعون من الدِّين والعبادات ما لم يأذن به الله، ويخترعون من الطقوس والقربات ما لا يُمْكن أن يُحِبَّه الله ولا يرضاه، ويُخادعون أنفسهم بأنَّها بِدَعٌ مستحسنات، وأنَّها أطبقَتْ على استحسانها الجماهيرُ الغفيرة من الشُّيوخ والآباء، ووافقهم عليها رؤساءُ الحكومات، حتَّى كان دينُهم هزوًا ولعبًا، وشركًا ووثنيَّة، وفسوقًا وعصيانًا، وفي الوقت نفسه ضيَّقوا ما وسَّع الله عليهم فيما أخرج لهم من الأرض حلالاً، وما سخَّر لَهم من بَهِيمة الأنعام، فحَرَّموا ما لم يُحَرِّمه الله، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك: أنْ خرَجَ الناسُ عن نطاق ما سَمَّوه لهم دينًا من هذه التَّشديدات، فعاد المضيقون يركبون طريقًا أخطر، وهو الاحتيال لتحليل المُحَرَّمات، فزاد الفساد، وعمَّ البلاء، وقسَتِ القلوب، وأصبح أكثرُهم فاسقون متمرِّدون على سنن الله وفطرته ودينه وشريعته، فانقلبوا على أنفسهم وحوشًا كاسرة وذئابًا ضارية، وكان عيشهم بذلك نكدًا، وحياتهم شقاءً وعذابًا أليمًا.
وربُّك الرحمن الرحيم، يتدارك العباد بِلُطْفِه ورحمته، فيَبْعث إليهم الرُّسل مبشِّرين ومنذرين، ويُمِدُّهم بأسباب القوَّة من الآيات والمعجزات في أنفسهم وفي رسالاتِهم؛ حتَّى تَنْفذ رسالتهم إلى قلوبِ مَن يريد الله لهم الهداية وسعادة الدُّنيا والآخرة، وإن الله بعبادة لرؤوفٌ رحيم.