وقال الحافظ في أوَّل الباب: قال جُمهور أهل الكلام من المسلمين: الملائكة أجسام لَطيفة، أُعْطيت قدرةً على التشكُّل بأشكال مُخْتلفة، ومسكنها السَّموات، وأبطل مَن قال: إنَّها الكواكب، وإنَّها الأنفس الخيِّرة التي فارقت أجسادها، وغير ذلك من الأقوال التي لا يوجد في الأدلَّة السَّمعية شيء منها.
وقد جاء في صفة الملائكة وكثرتِهم أحاديثُ، منها ما أخرجه مسلم عن عائشة مرفوعًا: (( خُلِقَت الملائكة من نُور ) ) [1] ، ومنها: ما أخرجه الترمذي وابن ماجه والبزَّار من حديث أبي مرفوعًا: (( أطَّتِ السَّماء وحُقَّ لها أن تئطَّ؛ ما فيها موضع أربع أصابع إلاَّ وعليه ملَكٌ ساجد ) )؛ الحديث [2] ، ومنها: ما أخرجه الطبراني مرفوعًا من حديث جابر: (( ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كفٍّ، إلاَّ وفيه ملَكٌ قائم أو راكع أو ساجد ) ) [3] ، وللطَّبراني نَحْوُه من حديث عائشة، وذكر في ربيع الأبرار عن سعيد بن المسيب قال:"الملائكة ليسوا ذُكورًا ولا إناثًا، ولا يأكلون ولا يشربون، ولا يتناكحون ولا يتوالدون" [4] .
قال الحافظ: وفي قصَّة الملائكة مع إبراهيم وسارة ما يؤيِّد"لا يأكلون"، وفي هذا وما ورد في القرآن: ردٌّ على من أنكر وجود الملائكة من الملاحدة؛ انتهى.
فقول الحافظ ابن حجر - رَحِمه الله - صريحٌ في أنَّ كل من قال في الملائكة قولاً لا يدلُّ عليه دليل سَمْعي ثابت، فهو قول باطل، ولا شكَّ أن السَّلَف لا يعرفون من الأدلة السمعية إلاَّ ما كان من قول الله في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يدَيْه ولا من خلفه، أو من القول الصحيح الثابت برواية العدول الضابطين عن الصَّادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- وأنَّ غير ذلك لا يُقام له وزن في وَصْف الملائكة، ولا غيرهم من علم الغيب، الذي لا يقوم بناء إيمان صحيح إلاَّ كان أول حجر يقوم عليه هو الإيمان بالغيب، على ما ذكر الله سبحانه، وعلى ما بَلَّغ رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم.
[1] أخرجه مسلم برقم [2996] وأحمد برقم [25235] وإسناده صحيح.
[2] حسن: أخرجه الترمذي برقم [2312] وحسنه الألباني وأحمد برقم [21555] .
[3] حسن: أخرجه الترمذي برقم [2312] وحسنه الألباني وأحمد برقم [21555] .
[4] "فتح الباري"، ج 6 ص 360.