قال الله تعالى:"فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ" [الحجر: 61 - 62] .
"منكرون"اسم مفعول من الإنكار، ضدُّ المعرفة، يُقال: أنكرت كذا ونَكرْتُه، وأصله: أن يَرِدَ على القلب ما لا يتصوَّره ولا يعرفه.
وهذا وَصْفٌ للملائكة الذين أرسلهم الله إلى إبراهيم أوَّلاً، فنَزلوا عليه ضيفًا، فلمَّا قَدَّم إليهم العجل الحنيذ المشويَّ لم تَمتدَّ إليه أيديهم، فنَكِرَهم إبراهيم - عليه السَّلام - قال الله تعالى في سورة هود:"فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً" [هود: 69 - 70] ، وكذلك لوط - عليه السَّلام - قال لَهم:"إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ" [الحجر: 62] ؛ لأنه لم يَعْرفهم قبل ذلك، ولأنَّهم كلَّموه بكلام العارف به وبقومه الخبير بشؤونهم، فاستنكر ذلك منهم؛ لأنَّه أمر غريب مُخيف مفْزِع، إذا وقع من الإنسان العاديِّ، وكذلك كان الشأن في قصة جبريل - عليه السَّلام - حين جاء إلى مَجْلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صورة رجل شديد بياض الثِّياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثَرُ السفر، ولا يعرفه من الصَّحابة أحدٌ، حتَّى جلس إلى النبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وأسند ركبتَيْه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيْه على فَخِذيه، وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والسَّاعة وأماراتها، وكان كُلَّما أجابه النبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يقول له:"صدَقْت"، فكان ذلك كلُّه مِمَّا جعل الصحابة - رضي الله عنهم - يعجبون له وينكرونه، حتى قال لَهم الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (( هذا جبريل، جاءكم يُعَلِّمكم أمر دينكم ) ) [1] ؛ كما روى البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهُما القصَّة من رواية عُمَر وابنه عبدالله وغيرهما - رضي الله عنهم.
وهذا وغيره من آيات القرآن وصحيح الأحاديث واضحٌ في أنَّ الله سبحانه جعل الملائكة بحيث يتصوَّرون بما شاء ربُّنا من صورة الإنسان؛ لِمَا يجعل ربُّنا سبحانه في ذلك من الحكمة لِمَن يُنْزِلُهم الله إليه من رسله - عليهم الصَّلاة والسَّلام.
[1] أخرجه البخاري برقم [50] ، ومسلم برقم [8] .