والملائكة حين يتَنَزَّلون بأمر ربِّنا سبحانه في صورة ضَيْف مِن جَماعة الناس لإِبْراهيم ولِلُوط - عليهما السَّلام - وفي صورة دحْيَة بن خليفة لِخَاتم المُرْسَلين -صلى الله عليه وسلم-: تكون صفاتُهم الظَّاهرة للأنبياء، ولِمَن يراهم ويُمَيِّزهم من الناس صفاتِ الإنسان في لِبَاسه وكلامه وحركاته وسكناته، وكلِّ مزاياه الظَّاهرة، فهم قد جاؤوا إبراهيمَ ولوطًا بصورةٍ إنسانيَّة، دعَتْ إبراهيم أن يهيِّئ لَهم من الطعام وتوابعِه ما كان يُهَيِّئه لضيفه الكريم من بَنِي الإنسان، لكنَّهم لا يأكلون الطَّعام الذي يأكله الإنسان، ولو جاز عليهم - في هذه الصُّورة - أن يأكلوا، لأَكَلوا من طعام سيِّد الكرماء إبراهيم؛ إكرامًا له، ولإِدْخال السُّرور عليه، وتطمين قلبه، وإزالة الوحشة والخوف عنه، ولقد جاؤوه ليبشِّروه بغلام حليم، فعدم أكْلهم، وأنَّهم لم تَصِل أيديهم إلى العِجْل الحنيذ، الذي قدَّمَه لهم خليل الرَّحْمن - دليلٌ على أنَّهم لا يُشْبهون الإنسان في أكل الطعام، وإن كانوا يتصوَّرون بصورته ويُشْبِهونه في الصُّورة في تلك الحالة التي نزَلوا كذلك مِن أجْلِها بأمر الله تعالى، وأنَّهم يَزالون على صفاتِهم الملكيَّة المعنويَّة، وأن ذلك الثوب الظاهر من الصُّورة البشرية لا يلزمهم بكل توابع البشرية ومقتضياتها، ولا يفقدهم معنوياتِهم وخصائصهم الملَكيَّة التي خصَّهم الله بها وميزهم عن خلق الإنسان وغيره.