أحَدُهُما: بإعطاء القُدْرة، والثَّاني: بأن يَجْعلها على مقدار مَخْصوص ووجه مخصوص حسبَما اقتضت الحكمة؛ وذلك أنَّ فِعْل الله تعالى ضَرْبان - إلى أن قال - الضَّرب الثاني: ما جَعل أصوله موجودة بالفِعْل، وأجزاءَه بالقوَّة، وقدَّره على وجه لا يتأتَّى منه غير ما قدَّره فيه، كتَقْديره في النواة أن ينبت منها النَّخل، دون التُّفاح والزَّيتون، وتقدير مَنِيِّ الإنسان: أن يكون منه الإنسانُ دون سائر الحيوان؛ اهـ.
وقال في"اللِّسان": ويُقال: قدرت لأَمْرِ كذا، أَقْدِرُ له، وأَقْدُر - من بابَيْ عَلِم ونَصَر - قدرًا: إذا نظرتَ فيه ودبَّرته وقايستَه، ومنه قول عائشة - رضي الله عنها:"فاقْدُروا قدْرَ الجارية الحديثة السنِّ المستهيئة للنَّظر"؛ أيْ: قَدِّروا وقايسوا وانظروه، وافْكِروا فيه، ويُقال: قدرت؛ أيْ: هيَّأت، وقدر القومُ أمرهم: دبَّروه؛ اهـ.
"وقدرنا"مَحْكي عن الملائكة الذين يتحدَّثون مع إبراهيم، ويُخْبِرونه بما أرسلَهم الله له من إِنْجاء لوط ومَن آمن معه، وإهلاك المُجرمين من قومِهم، الأمر المقدر المُبْرم، وهم خاصَّة الرَّب سبحانه، المختصُّون بتلقِّي أوامره الكونيَّة وتنفيذها، صحَّ منهم"قدرنا"كما يقول خاصَّة الملك: دبَّرْنا كذا، وأمرنا بكذا، يَعْنون تنفيذ تدبير الملك وأمره.
و"الغابر"الماكث بعد مُضيِّ ما هو معه، قال الله تعالى:"إِلَّا عَجُوزًا في الْغَابِرِينَ" [الشعراء: 171] ؛ يعنِي: فيمن طالت أعمارهم، قيل: فيمن بَقِي ولم يَسْر مع لوط، وقيل: فيمن بقي بعد العذاب، وفي آية أخرى:"إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ" [العنكبوت: 33] ، ومنه الغَبْرة - بفتح الغين وسكون الباء - البقيَّة في الضَّرْع من اللَّبَن وجَمْعه أغبار، وغبر الحيض وغبر اللَّيل: ما بقي منه، والغبار: ما يبقى من التُّراب الْمُثار، ويُقال للماضي: غابر، تصوُّرًا بِمُضيِّ الغبار عن الأرض، ويقال للباقي: غابر، تصوُّرًا بتخلُّف الغبار عن الذي يعدو فيخلفه، ومن الغبار: اشتُقَّ الغبرة، وهو ما يَعْلق بالشيء من الغبار وما كان على لونه؛ اهـ من"مفردات الراغب".