والتعبيرُ في أحد الفعلين بمادة المجيء وفي الفعل الآخر بمادة الإتيان لمجرد التفنن لدفع تكرار الفعل الواحد ، كقوله تعالى في سورة الفرقان (33) : {ولا يأتونك بمَثَل إلا جئناك بالحق وأحسنَ تفسيراً} وعليه تكون الباء في قوله: بما كانوا فيه يمترون وقوله: {بالحق} للملابسة.
ويحتمل أن تكون لِذكر الفعل الثاني وهو {وأتيناك} خصوصية لا تفي بها واو العطف وهي مراعاة اختلاف المجرورين بالباء في مناسبة كل منهما للفعل الذي تعلق هو به.
فلما كان المتعلق بفعل {جئناك} أمراً حسياً وهو العذاب الذي كانوا فيه يمترون ، وكان مما يصح أن يسند إليه المجيء بمعنًى كالحقيقي ، إذ هو مجيء مجازي مشهور مساوٍ للحقيقي ، أوثر فعل {جئناك} ليسند إلى ضمير المخاطبين ويعلق به"ما كانوا فيه يمترون".
وتكون الباء المتعلقة به للتعدية لأنهم أجاءوا العذاب ، فموقع قوله تعالى: {بما كانوا فيه يمترون} مَوقع مفعول به ، كما تقول (ذهبتُ به) بمعنى أذهبتُه وإن كنتَ لم تذهب معه ، ألاَ ترى إلى قوله تعالى: {فإما نذهبنّ بك} [سورة الزخرف: 41] أي نُذهبك من الدنيا ، أي نميتك.
فهذه الباء للتعدية وهي بمنزلة همزة التعدية.
وأما متعلق فعل أتيناك وهو {بالحق} فهو أمر معنوي لا يقع منه الإتيان فلا يتعلق بفعل الإتيان فغُيرت مادة المجي إلى مادة الإتيان تنبيهاً على إرادة معنى غير المراد بالفعل السابق ، أعني المجيء المجازي.
فإن هذا الإتيان مسند إلى الملائكة بمعناه الحقيقي ، وكانوا في إتيانهم ملابسين للحق ، أي الصدق ، وليس الصدق مسنداً إليه الإتيانُ.
فالباء في قوله تعالى: {بالحق} للملابسة لا للتعدية.
والقِطْع بكسر القاف وسكون الطاء الجزء الأخير من الليل.
وتقدم عند قوله تعالى: {قطعاً من الليل مظلماً} في سورة يونس (27) .