والمقصود: أنَّ إبراهيم - عليه السَّلام - هو أبونا الثَّالث، وهو إمامُ الْحُنفاء، ويُسَمِّيه أهلُ الكتاب: عمودَ العالَم، وجَميع أهل الْمِلَل متَّفِقة على تعظيمه وتولِّيه ومَحبَّته، وكان خيْرُ بنيه سيِّدُ ولَدِ آدم محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - يجلُّه ويعظِّمه، ويبجِّلُه ويَحترمه، ففي"الصَّحيحين"من حديث المختار بن فُلْفُلٍ عن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجلٌ إلى النبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا خَيْر البريَّة، فقال - صلى الله عليه وسلم: (( ذاك إبراهيم - عليه السَّلام - ) ) [1] ، وسمَّاه شيخَه، فإنَّه حين دخل الكعبة لِيُطهِّرها مِمَّا كان المشركون وضعوه فيها من الأوثان، وجد صورة إبرهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام، فقال: (( قاتلهم الله، لقد عَلِموا أنَّ شيخنا لم يكن يستقسم بالأزلام ) ) [2] .
وثبت في"صحيح البخاري"من حديث سعيد بن جُبَير عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( إنَّكم مَحْشورون حُفاة عراة غرلاً ) )، ثم قرأ:"كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ" [الأنبياء: 104] (( وأوَّل من يُكْسَى يوم القيامة إبراهيم ) ) [3] .
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشْبَه الخلق به، كما في"الصحيحين"عنه أنَّه قال: (( رأيتُ إبراهيم، فإذا أقْرَبُ الناس شَبهًا به صاحِبُكم ) )؛ يعني نفْسَه - صلى الله عليه وسلم - وفي لفظ آخَر: (( فانظروا إلى صاحبِكم ) ) [4] .
وكان - صلى الله عليه وسلم - يُعوِّذ أولادَ ابنتِه الحسَن والْحُسين بتعويذ إبراهيم لإِسْماعيل وإسحاق، ففي"صحيح البخاري"عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان النبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يعوِّذ الحسن والحسين، ويقول: (( إنَّ أباكُما كان يعوِّذ بِها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامَّة، من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عينٍ لامَّة ) ) [5] .
وكان - صلى الله عليه وسلم - أوَّل من قرى الضيف، وأوَّل من اختتَنَ، وأوَّل من رأى الشيب فقال:"ما هذا يا رب؟ قال: وقارٌ، وقال:"ربِّ زدْنِي وقارًا" [6] ."
[1] أخرجه مسلم برقم [2369] .
[2] صحيح: أخرجه أحمد برقم [2508] من حديث ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دخل البيت وجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم، فقال: (( أمَّا هم فقد سَمِعوا، إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، هذا إبراهيم مصوَّرًا، فما باله يستقسم؟ ) )وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه ابن حبان في صحيحه برقم [5858] ، وصحَّحه الأرناؤوط.
[3] أخرجه البخاري برقم [1371] .
[4] أخرجه البخاري برقم [3254] ، ومسلم برقم [172] .
[5] أخرجه البخاري برقم [3191] .
[6] لا أصل له: أخرجه الخطيب في"الجامع"عن أنس وفيه عبدالرحمن بن حبيب عن بقيَّة، قال في"الميزان"عن يحيى: ليس بشيء، وعن ابن حبان: لعلَّه وضع أكثر من خَمْسمائة حديث، ثم أورد له هذا الخبر ثم قال: قال ابن حبَّان: لا أصل له، ثم أعاده في ترجمة يعقوب بن إسحاق الواسطي، وقال: إنَّه هو المتَّهَم بوضْع هذا، وحكاه عنه المؤلِّفُ في"مختصر الموضوعات"وأقرَّه؛"فيض القدير"، ج 2 ص 529.