يقول ربُّنا - سبحانه: أخبِر عبادي الخبَر الأكيد الصَّادق الذي لا يحوم حولَه أيُّ شكٍّ ولا ريب"أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ" [الحجر: 49] : الواسعُ المغفرة، الذي كلُّ أسباب الغَفْر والسَّتر بِيَدي، فإنَّه سبحانه هو الذي أَعطى العبد ومنَحَه كلَّ القُوى والأسباب التي يستر بِها عيوبه ونقائِصَه، وهو سبحانه الذي بِيَده وحْدَه إمدادُ مَن يستحقُّ مِن العباد بأسبابِ وعناصِرِ قوَّةٍ جديدة، يتلافى بها ما فَرَط منه حين مسَّه الشيطان، وألَمَّ به وأنساه ذِكْر ربِّه، فأساء في استعمال نعمة ربِّه، غافلاً عمَّا فيها من الحقِّ والخير، والحكمة والمصلحة، فحين ذكَر ذلك واستيقظ من غفلته، لَجَأ إلى ربِّه ضارعًا أن يمدَّه بالأسباب - من العلم واليقظة والْهُدى - ما يَقِيه ويدفع عنه شرَّ عصيانه وفسوقه، وخروجِه على سنن الفطرة، وعلى نظام الحكمة الرَّحْمانية، وأن يتجاوز ويعفو عن هذه الزلَّة فلا يُعاقبه عليها بتقسِيَة قلبه بِها في الدُّنيا، وخِزْيه بِها في الآخرة فيتوب الله عليه، ويرجع إليه برحْمته وعطائه وإمداده وإحسانه، وهو التوَّاب الرحيم، فأهل هذه المغفرة هم المتَّقون.
"وَأَنَّ عَذَابِي" [الحجر: 50] للشَّيطان وحزْبِه الذين دعاهم فاستجابوا له، واتَّبعوه فأغواهم"هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ" [الحجر: 50] في الدُّنيا قَبْل الآخِرَة، فيَجعل عيشهم نكدًا، وتنقلب كلُّ نِعَمِ الله في أيديهم كُفْرًا وشقاء، فمالُهم عذابٌ عليهم، وأزواجُهم وأولادهم ومراكِزُهم في رياسات الدُّنيا، وكلُّ ما هم فيه عذابٌ شديد الألَمِ على نفوسهم وقلوبِهم، فهُم في جحيمٍ في الدُّنيا، وإنْ ظَنُّوا أنفسهم سُعَداء، وما هي إلاَّ نَشْوة السَّكْران، ويوم القيامة لَهُم عذاب جهنَّم لا يُقْضى عليهم فيَمُوتوا، ولا يُخفَّف عنهم من عذابِها، وكذلك يَجْزي ربُّك كلَّ كفور، وما ربُّك بظلاَّم للعبيد.