وهذا النَّزع والتزكية للنَّفس وتطهيرها من جراثيم الغلِّ والحقد وخبائث الضغن: كان في الدُّنيا؛ ليكون هو السبيلَ إلى دخول الجنَّة برحْمة الله وفضله، فقوله سبحانه:"وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ" [الحجر: 47] ؛ يعنِي: والحال أنَّ الله سبحانه كان في الماضي من حياتهم الأولَى قد نزَعَ ما في صدورهم من الغلِّ، وطهَّرها من أسبابه، بما آتاهم من نعيم الإيمان الصادق، وأدخل نفوسهم وقلوبهم بهذا الإيمان في جَنَّة الرِّضوان برضاهم عن الله ربًّا، يربِّيهم ويربِّي جميع العالَمين بكلِّ ما يعطيهم من النِّعَم بحكمته البالغة، ورحمته الواسعة، وفضله العظيم، وبرِضاهم بِمحمَّد -صلى الله عليه وسلم- رسولاً، وإمامًا هاديًا، فلم يستدركوا على رسالته، ولم تَضِقْ صدورُهم حَرَجًا بِهَديه وسنته، ولم يُدْبِروا معْرِضين باتِّباع غيره والائتمام بسواه، وبرِضاهم عن الإسلام دينًا، فلم تَشْقَ نفوسُهم بالتمرُّد على الربِّ في ربوبيَّته، ولم تتعذَّب قلوبُهم باتِّخاذ غيره نِدًّا وإِلَهًا، تذلُّ له وتخضع، وتَخافه وترجوه، وتحبُّه وتقدِّسه، ولم يتنكَّد عيشهم بإعلان الحرب عليه وعلى شرائعه وأحكامه وقضائه، بل سَلِمَت قلوبُهم من تلك الأمراض والخبائث، واستسلمَتْ نفوسُهم لربِّهم القويِّ العزيز، الحي القيوم، فرَضُوا عنه ورضي عنهم، فكانوا في حياتِهم الدُّنيا في نعيم وجنَّات على سُرُرِ هذه المَحبَّة والرِّضوان متقابلين غير مُتَدابرين، متعاوِنين متناصرين، لا متقاطعين ولا متقاعدين، إنْ برقَتْ بارقة خلاف رَدُّوها إلى الله والرسول، فعادوا إخوانًا على سرر متقابلين، وغيرهم في نكد وبُؤْس وشقاء، وما زالوا يتنقَّلون في رياض هذه الجنَّات من درجة إلى أعلى، حتَّى خرجوا منها راضين مرضيِّين إلى جنَّات القبور، ثم إلى دار الخُلْد وجنَّات النعيم، فكانت لهم جنَّات الفردوس نزُلاً.