ومن هنا نعلم أن هناك أعمالاً يمكن أن تؤجلها ، إلا الغايات التي لا توجد فيها أعواض ؛ فعليك أن تنتهز الفرصة وتُنفّذها على الفور ؛ ذلك أن اليوم الآخر لن يكون فيه بَيْع أو شراء ، ولن يستطيع أحد فيه أن يُزكّي أو يُصلّي ؛ فليست هناك صداقة أو شفاعة تُغنيك عمّا كان يجب أن تقوم به في الحياة الدنيا .
والشفاعة فقط هي ما أذن له الرحمن بها ، ولذلك يأتي الأمر هنا بسرعة القيام بالصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق سِراً وعلانية من قبل أن يأتيَ اليوم الذي لا بَيْع فيه ولا خِلاَل .
والبيع - كما نعلم - هو مُعَارضة متقابلة ؛ فهناك مَنْ يدفع الثمن ؛ وهناك مَنْ يأخذ السلعة . والخِلاَل هو المُخالّة ؛ أي: الصديق الوفيّ الذي تلزمه ويلزمك .
والشعر يُبيّن معنى كلمة"خليل"حين يقول:
لَمّا التقيْنَا قرَّب الشَّوْقُ جَهْده ... خليلين ذَابَا لَوْعةً وعِتاَبا
كأنّ خليلاً في خِلاَل خَلِيلهِ ... تَسرَّبَ أثناءَ العِنَاقِ وغَابَا
وهذا يوضح أن المُخالة تعني أن يتخلل كُلٌّ منهما الآخر .
وفي الآخرة لن تستطيع أن تشتري جنة أو تفتدي نفسك من النار ؛ ولا مُخالًّة هناك بحيث يفيض عليك صديق من حسناته . والحق سبحانه هو القائل: {الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين} [الزخرف: 67] .
وبعض السطحيين يريدون أنْ يأخذوا على القرآن أنه أثبت الخُلَّة ونفاها ؛ فهو القائل:
{لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ} [إبراهيم: 31] .
وهو القائل: {وَلاَ خُلَّةٌ ...} [البقرة: 254] .
ثم أثبت الخُلَّة للمتقين ؛ الذين لا يُزيِّن أحدهما للآخر معصية .
وهؤلاء السطحيون لا يُحسِنون تدبُّر القرآن ؛ ذلك أن الخُلَّة المَنْفية - أو الخِلاَل المنفية - في الآيات هي الخِلال التي تحضُّ على المعاصي ؛ وهذه هي الخِلاَل السيئة .