ويؤيِّد هذا التأويلَ قراءةُ ابن أبي عبلة"جهنمُ"بالرفع ، على أنها مبتدأٌ ، والجملةُ بعدها الخبرُ . وتحتمل قراءةُ ابن أبي عبلة وجهاً أخرَ: وهو أن يرتفعَ على خبرِ ابتداءٍ مضمر ، و"يَصْلَوْنها"حالٌ: إمَّا مِنْ"قومَهم"، وإمَّا مِنْ"دارَ"، وإمَّا مِنْ"جهنمَ". وهذا التوجيهُ أَوْلى من حيث إنه لم يتقدَّمْ ما يرجِّح النصبَ ، ولا ما يَجْعلُه مساوياً ، والقرَّاءُ الجماهيرُ على النصبِ ، فلم يكونوا ليتركُوا الأفصحَ ، إلاَّ لأن المسألة لَيستْ من الاشتغالِ في شيء ٍ . وهذا الذي ذكرتُه أيضاً مُرَجِّح لنصبهِ على البدليَّة أو البيانِ على انتصابِه على الاشتغال .
والبَوارُ: الهَلاكُ ، قال الشاعر:
2888 - فلم أرَ مثلَهُم أبطالَ حربٍ ... غداةَ الرَّوْعِ إذ خِيْفَ البوارُ
وأصلُه من الكَسادِ ، كما قيل: كَسَد حتى فَسَد ، ولَمَّا كان الكسادُ يؤدي إلى الفسادِ والهلاكِ أُطْلِقَ عليه البَوار . ويقال: بار يَبُورُ بَواراً وبُوراً ، ورجل حائرٌ بائرٌ ، وقوله تعالى: {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} [الفتح: 12] يحتمل أن يكونَ مصدراً وُصِفَ به الجمعُ ، وأن يكونَ جمع بائر في المعنى . ومِنْ وقوعِ"بُور"على الواحد قوله:
2889 - يا رسولَ المَليكِ إنَّ لساني ... راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذ أنا بُوْرُ
أي: هالِكٌ .
{وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30) }