قال الفراء: ولعلها من وهْم القُرَّاء فإنه قلَّ من سَلم منهم من الوهْم، ولعله ظن أن الباءَ في {بِمُصْرِخِيَّ} خافضةٌ للحرف كله، والياء من المتكلم خارجةٌ من ذلك، ومما يرى أنهم أوهموا فيه: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} [النساء: 115] ظنُّوا والله أعلم أن الجزم في الهاء، والهاءُ في موضع نصب، وقد انجزم الفعل قبلها بسقوط الياء منه، قال: وسمعت بعض العرب ينشد:
قلت لَهَا هَل لَكِ يَا تَا فيِّ ... قالَتْ لنا ما أنتَ بالمَرْضِيّ
فخفض الياء من (فيِّ) فإن يك ذلك صحيحًا، فهو مما يلتقي من الساكنين فيُخفض الآخِرُ منهما، وإن كان له أصل في الفتح، ألا ترى أنهم يقولون: لي أره منذ اليوم، والرفع في الذال هي الوجه، والخفض جائز، فكذلك الياء من مصرخيّ خفضت ولها أصل في النصب، انتهى كلامه،. وقال أبو إسحاق: هذه القراءة عند جميع النحويين ردية مرذولة لا وجه لها إلا وُجَيْه ضعيف! وهو ما أجازه الفراء من الكسر على أصل التقاء الساكنين، وأنشد:
قالَ لَهَا هَل لكِ يا تا فيِّ ... قالَتْ له ما أنْتَ بالمَرْضِي
وهذا الشعر مما لا يُلتفت إليه، فليس يُعرف قائل هذا الشعر من العرب،
ولا هو مما يحتج به في كتاب الله.
قال أبو علي: زعم قطرب أن هذا لغة في بني يربوع؛ يزيدون على ياء (الإضافة ياء) وأنشد:
ماضٍ إذا ما هَمَّ بالمُضِيّ ... قال لَهَا هل لكِ يا تا فيِّ
قال: ووجه ذلك من القياس أن الياء ليست تخْلُو من أن تكون في موضع نصب أو جر، فالياء في النصب والجر كالهاء فيهما، وكالكاف في: أكبر منك، وهذا لك، فكما أن الهاء قد لحقتها الزيادة في قولك: هذا الشيء لَهُو، وضَرَبَهُو، ولحق الكاف أيضًا الزيادة في قول من قال: أعْطيْتُكاه وأعطيْتُكِيه، فيما حكاه سيبويه وهما أختا الياء، وكما لحقت التاء الزيادة في نحو ما أنشد:
رَمَيْتِيهِ فأصمَيْتِ ... وما أخْطَاتِ الرَّمْيَه