قال الله جل ذكره: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا(23) . يعني: طول مدة السعير (لَا يَذُوقُونَ
فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) . والغساق: هو ما يخرج
عنهم هكذا إيذاء، تدور عليهم دوائر العذاب، والله أعلم بسعة تلك الدوائر.
غير أن الله قال وقوله الحق: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا(23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا
وَلَا شَرَابًا (24) . وهي دائرة السعير كما تقدم، وذكرها فيما هَاهُنَا بالأيام
وبالشهور، وفيما هناك بالأحقاب، نعوذ بالله من عذاب الله قليله وكثيره، ومما يوجه
أو يقرب منه إنه خير معاذ.
(فصل)
الوراء حقيقة: الخلف؛ كما الإمام حقيقة: المواجهة، وجاء في القرآن العزيز
الوراء كقوله جل قوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا(79)
وقوله جل قوله: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ(71) .
قال المفسرون في هذه الوجوه: إنها بمعنى الأمام.
قالوا: والوراء قد يكون بمعنى الأمام، واحتجوا بما تقدم ذكره وبأمثاله، وقالوا:
كل من لم يأتِ بعد وهو منتظر فهو وراء، وهذا معنى من معاني القرآن يجب
تحديق البصيرة إليه لينكشف مستوره، وتنقشع غيابة الشك عن حقيقته، فنقول والله
نسأله التوفيق: إن الوراء هو ما خلفته وصرفت وجهك عنه، والأمام ضده، وهو ما
وجهت وجهك إليه ووليته ظهرك، فهو إذًا لا بصرته بعينٍ ولا علمته بعلمٍ؛ إذ الوراء
موضع الجهل وعدم الإدراك.
يقول شعيب - عليه السَّلام -: (أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا)
أي: جعلتموه منكم بموضع الجهل به، والغفلة عنه مع عدم الخشية
والمراقبة.
قال الله - جلَّ جلالُه -:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ
قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا)فطمس الوجوه على هذا
هو أن يضيعوا سماع الهدى ورؤيته، والقول به والعمل، وهكذا هو الكافر، وكان