وقيل ردوا أيْدِيَهُمْ، الهاء والميمَ يرجعان على الرسل، المعنى ردوا أيدي الرسل أي نِعَمَ الرسُل لأن مَجيئهم بالبيَّنَّاتِ نِعَم، تقول: لفلان عندي يَدٌ أي نِعْمَة، ومعنى في أفْوَاهِهِم بأفواههم، أي ردوا تلك النعم بالنطق بالتكذيب لِمَا جاءت به الرسُلُ، والمعنى أن الردَّ جَاء في هذه الجهة، وفي معناها، كما تقول: جلست في البيت، وجلست بالبيت.
وقالوا: (وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ) .
هذا هو الرد.
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ(15)
(اسْتَفْتَحُوا) يُعْنَى به الرسُلُ، سألوا اللَّه أن يفتح عليهم أي ينصرهم.
وكل نصْرٍ فهو فَتْحٌ، والجَبَّار الذي لا يَرى لأحَدٍ عَلَيه حَقًّا، والعنيد الذي يعدل عن القَصْدِ، يقال جبَّار بَين الجَبْرِيَّة، والجِبْريَّةُ - بكسر الجيم - والجِبِرية بكسر الجيم والباء، والجَبَرُوَّة والجَبَرَوَّة، والتجْبَار والجبرياء، والجَبُّورة والجبرُوتُ.
(مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ(16)
أي جهنم بين يديه، و"وراء"يكون لخلف وقُدَّام، وإنما معناه ما توارى
عنك أي ما استتر عنك، وليس من الأضداد كما يقول بعض أهل اللغة، قال النابغة:
حَلَفْت فلمْ أترك لنفسك ريبةً... وليس وراءَ الله للمرء مَذْهَبُ
أي ليس بعد مذاهب الله للمرء مذهب.
(وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) .
أي مما يسيل من أهل النَّار من الدَّم والقيح.
(يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ(17)
أي لا يقدر على ابتلاعه، يقال ساغ لي الشراب وَأسَغْتُه.
(وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) .
أي من بعد ذلك.