قلنا: إن الآية الأولى جاء فيها قوله تعالى: والذي أنزل إليك من ربك الحق"وفى أواخر السورة نقرأ قوله تعالى: والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب". فِي هذه الآية نبوءة تحققت. فإن الإسلام عندما قرع أبواب مصر والشام ، سرعان ما هوت إليه القلوب ، ودخل النصارى فِي دين الله أفواجا ، واعتنقوه ، وصاروا حملته وحماته. ومعروف أن بيت المال خرب لسقوط الجزية بعدما آمن الناس حتى اضطر الوالى فِي مصر إلى استبقائها على من أسلم! لولا أن عمر بن عبد العزيز كتب له:"ويحك ، إن محمدا بعث هاديا ولم يبعث جابيا ، ضع الجزية عمن أسلم"نعم ولو خرب بيت المال..!! ونصارى مصر والشام وسائر الأمم الأخرى التي شرحت بالإسلام صدرا أضحت عربية بالتجنس والدين ، فالتعريب مورد مفتوح ينمو به الكيان العربي ويتجدد ، وفيهم تقال الآية:"وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق". وكلمة الحكم تعنى السلطة السياسية ، والحكمة القرآنية على سواء. وقد انتشر الإسلام فِي أطراف الجزيرة قبل أن يدخله أهل مكة الذين بقوا على وثنيتهم إلى عهد متأخر ، وهذا معنى قوله تعالى:"أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب". القرآن دليل ناطق يقود إلى الله ، والكون دليل صامت يعزف به. وكلا الدليلين يحتاج إلى يقظة العقل ودقة الشعور ، وإلا فالغفلة والبلادة لا تجيئان بخير أبدا. ولذلك يكثر فِي القرآن الكريم قوله تعالى:"أفلا تعقلون"؟"أفلا تذكرون"؟. وفى إيقاظ الحس النائم نقرأ الآية الكريمة"وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون". ألا يستدعى التأمل أن ترى فِي قطعة واحدة من الأرض شجرة