وإن جعلت، {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ} من تتمة {مُعَقِّبَاتٌ} جاز أن يكون {يَحْفَظُونَهُ} صفة لمعقبات، وأن يكون حالًا من المنوي في الظرف والعامل الظرف نفسه، أو المقدر في {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ} من معنى الاستقرار.
وقوله: {مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} في محله وجهان:
أحدهما: الرفع على أنه صفة للمرفوع الذي هو {مُعَقِّبَاتٌ} ، والتقدير: له معقبات من أمر الله يحفظونه مما يخافه، وهو قول أبي الحسن - رحمه الله -.
والثاني: النصب على أنه من صلة {يَحْفَظُونَهُ} ، كقولك: حفظت زيدًا من الأسد، فقولك: (من الأسد) منصوب الموضع، لأنه مفعول (حفظت) ، كأنه قيل: يحفظونه من أجل أمر الله، أي: من أجل أن الله تعالى أمرهم بحفظه، تعضد هذا الوجه - وهو أن يكون في محل النصب متعلقًا بالحفظ - قراءة من قرأ: (يحفظونه بأمر الله) ، أي: يحفظونه من حوادث الدهر ومخاوفه بأمر الله، وهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، وعكرمة، وزيد
ابن علي، وجعفر بن محمد الصادق رضوان الله عليهم أجمعين.
وقيل: {مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} : من خلق الله، كالجن والإنس، والحيات والعقارب، وغيرهما من الحشرات، ما لم يأت قدر، فإذا جاء القدر خلّوا بينه وبينه.
وقيل: من الموت ما لم يأت أجل.
وقيل: {مِنْ} بمعنى (إلى) أي: يحفظونه إلى أن يأمر بالكف فيكفوا عنه.
وقيل: (مِن) بمعنى (عن) كقولك: أطعمه عن جوع ومن جوع.
وقيل: الضمير في (له) لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، دل عليه قوله: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} ، أي له معقبات من الله يحفظونه عن الأعداء.
وقيل: المعقبات: الحرس والجلاوزة حول السلطان يحفظونه على زعمه أو زعمهم، {مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} من قضاياه ونوازله.
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ} من العافية والنعمة، حَتَّى يُغَيِّرُوا
مَا بِأَنْفُسِهِمْ من الحال الجميلة، والمعنى: لا يسلب الله تعالى قومًا ما أعطاهم من العافية والنعمة حتى يغيروا ما بأنفسهم من الصلاح والحال الجميلة بكثرة المعاصي. و {مَا} في كلا الموضعين في موضع نصب بالفعل الواقع قبله، وهو بمعنى (الذي) ، و {بِقَوْمٍ} صلته.