وهذا يثبت عذاب البرزخ ؛ لأن الإنسان الكافر يرى فيه موقعه من النار ، ويرى نصيبه من العذاب ، ثم تقوم الساعة ليأخذ نصيبه من العذاب .
وبالنسبة لقوم عاد ، أذاقهم الله سبحانه العذاب في الدنيا ، ثم يدخلهم النار يوم القيامة .
ويقول الحق سبحانه في نفس الآية:
{ألا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود: 60] .
وكلمة"ألا"هي أداة تنبيه كما قلنا من قبل تنبه السامع إلى أهمية ما يلقيه المتكلم حتى لا يجابه السامع بالكلام وهو غافل ، ولأن المتكلم هو الذي يقود زمام الكلام ، فيجب ألا يستقبله السامع غافلاً ، فتأتي كلمة"ألا"كجرس ينبه إلى ما بعدها من كلام .
والكلام عن قوم عاد الذين نالوا عذاباً في الدنيا بالريح العقيم ، ثم أتبعوا لعنة من البرزخ ، وسوف يُستقبلون يوم القيامة باللعنات ؛ فهذه لعنات ثلاث .
وجاء الحق سبحانه وتعالى بحيثية هذه اللعنات مخافة أن يرى قلب السامع من كثرة ما يقع عليهم من لعن ، فبيَّن بكلمة"ألا"أي: تنبهوا إلى أن قوم عاد كفروا ربهم .
وللجريمة زمن ، وللعقوبة عليها زمن ، وكفرهم بربهم حدث في الدنيا ، وهو كفر في القمة ؛ لذلك نالوا عقاباً في الدنيا .
والخطر كل الخطر أن يتأخر زمن العقوبة عن زمن الجريمة ، فلا تأخذكم بهم الرحمة الحمقاء ، لأن كفرهم هو الكفر بالقمة العقدية ؛ لذلك تواصل لعنهم في البرزخ ، ثم تأتي لهم لعنة الآخرة .
وهم لم يكفروا بنعمة ربهم ، بل كفروا بربهم .
والحق سبحانه لم يطلب من أحد عبادته قبل سن التكليف ، وقدم لهم كما يقدم لكل الخلق نعمه التي لا تعد ولا تحصى ؛ ولذلك فهم يستحقون اللعنات وهي الجزاء العادل .
وقد أوضح لهم هود عليه السلام:
{إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [هود: 56] .
أي: أن الحق سبحانه عادل .