وقوله: {مِن دُونِهِ} أي: من دون الله ، فهم قد عبدوا أصناماً من دون الله سبحانه ، ومطلب هود عليه السلام منهم أن يكيدوا له جميعاً ، وهم كثرة طاغية ، وهو فرد واحد ؛ وإن كادت الكثرة المتجبِّرة لواحد ، فمن المتوقع أن يغلبوه ، وهو عليه السلام هنا يتحداهم ويطلب منهم أن يعملوا كل مكرهم وكيدهم ، وأن يقتلوه لو استطاعوا ، وهذه قمة التحدي .
والتحدي هنا معجزة ؛ لأنه ساعة يتحداهم فهو يعلم أن الله سبحانه وتعالى ينصره ، وهو عليه السلام متأكد من قوله:
{أُشْهِدُ الله} [هود: 54] .
الذي قاله في الآية السابقة ، ولا يمكن أن يرمي مثل هذا التحدي جزافاً ، لأن الإنسان لا يجازف بحياته في كلمة .
وهو لم يَقُلْ: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} [يونس: 55] إلا إذا كان قد آوى إلى ركن شديد ، وإنه ينطق بالكلمة عن إيمان بأن الحق سبحانه سيهبه قدرة على نفاذ الكلمة .
وهو قد أشهد الله تعالى ، والله سبحانه هو أول من شهد لنفسه ، يقول الحق سبحانه:
{شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 18] .
وكذلك شهدت الملائكة وأولو العلم ، والله سبحانه وتعالى حين شهد لنفسه فإنما يطمئننا أنه إذا ألقى أمراً علم أنه مُنفَّذ لا محالة .
وقد أشهد هود عليه السلام ربَّه سبحانه ، وهو واثق من حمايته له وما كان الحق سبحانه ليرسل رسولاً ليُمكِّن منه قوماً يُزيحوه من حركة الرسالة .
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان هود عليه السلام: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبِّي وَرَبِّكُمْ}
يعلن لهم هود عليه السلام حقيقة أنه يتوكَّل على الله تعالى الذي لا يعلوهم فقط ، ولا يرزقهم وحدهم ، بل هو الآخذ بناصية كل دابَّة تدُّب في الأرض ولها حرية وحركة ، والناصية هي مقدّم الرأس ، وبها خصلة من الشعر .
وحين تريد إهانة واحد فأنت تمسكه من خصلة الشعر هذه وتشدُّه منها .
والحق سبحانه وتعالى يقول: