و"إلا"هي أداة استثناء ، وقبلها فعل هو"نقول"، وإذا وجدت أداة استثناء ، ولم يذكر المستثنى منه صراحة ، فاعلم أنه واحد من ثلاثة: إما أن يكون مصدر الفعل ، وإما أن يكون ظرف الفعل ، وإما أن يكون حال الفعل .
وعلى ذلك فمعنى الآية الكريمة:
وما نقول لك إلا أنَّ آلهتنا أصابتك بسوء ؛ لأنك سَفَّهتهم وأبْطَلتَ ألوهيّتهم ، وجئتَ بإلهٍ جديدٍ من عندك ، فأصابتك الآلهة بسوء يراد به الجنون فأخذتَ تخلط في الكلام الذي ليس له معنى .
ويردُّ عليهم هود عليه السلام بما جاء في نفس الآية:
{قَالَ إني أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنِّي بريء مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [هود: 54] .
وهو يُشهِد الله الذي يثق أنه أرسله ، ويحمي ذاته ، ويحمي عقله ؛ لأن عقل الرسول هو الذي يدير كيفية أداء البلاغ عن الله .
والحق سبحانه وتعالى لا يمكن أن يرسل رسولاً ولا يحميه .
وقد قال الكافرون عن سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أنه مجنون ؛ فأنزل الحق سبحانه وتعالى قوله الكريم:
{مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 24] .
ونحن نعلم أن المجنون لا خُلُق له ، وفي هذا البيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قمة العقل ؛ لأنه في قمة الخُلُق الطيِّب .
وهنا يُشهد هود عليه السلام قومه ويطالبهم أن يرجعوا إلى الفطرة السليمة ، ويحكموا: أهو مجنون أم لا ، ويشهدهم أيضاً أنه بريء من تلك الآلهة التي يُشركون بعبادتها من دون الله تعالى .
ثم يقول الحق سبحانه ما جاء على لسان هود عليه السلام: {مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ}