والسبب فيه أن إقدامه على صنعة السفينة مشروط بأمرين: أحدهما أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل وأشار إليه بقوله: {بأعيننا} وليست العين بمعنى الجارحة لأنه منزه عن الجوارح والأعضاء فالمراد بها الحفظ والحياطة والكلاءة لأن العين آلة الحفظ والحراسة. والثاني أن يكون عالماً بكيفية تركيب الأخشاب ونحتها. عن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله تعالى إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر. وقيل: المراد عين الملك الذي كان يعرّفه كيفية اتخاذ السفينة. ثم قال: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا} أي في شأنهم. وقيل: علل عدم الخطاب بقوله: {إنهم مغرقون} أي إنهم محكوم عليهم بالإغراق وقد جف القلم عليهم بذلك فلا فائدة للشفاعة. وقيل: لا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم يغرقون في الوقت المعين لذلك فلا فائدة في الاستعجال فلكل أمة أجل. وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته واعلة وكنعان ابنه. ثم حكى الحال الماضية بقوله: {ويصنع الفلك} الحال أنه {كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه} يحتمل أن يكون هذا جواباً ل"كلما"وقوله: {قال إن تسخروا} استئناف على تقدير سؤال سائل كأنه قيل: ماذا قال حينئذٍ؟ ويحتمل أن يكون {سخروا} بدلاً من {مر} أو صفة ل {ملأ} و {قال} جواب {قيل} كانوا يقولون: يا نوح كنت نبياً فصرت نجاراً، ولو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق. وقيل: إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون. وقيل: إنها كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب الجنون. وقيل: طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذباً فيسخرون منه فأجابهم بقوله: {إن تسخروا منا} في الحال {فإنا نسخر منكم} في المستقبل إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة. أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما