مِنْ ظُلْمِهِمْ وَفِسْقِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِأَنَّهَا عَذَابٌ وَلَا نُذُرٌ مِنَ اللهِ - تَعَالَى - ، فَأَمَّا الْمَادِّيُّونَ مِنْهُمْ فَأَمْرُهُمْ ظَاهِرٌ ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ إِلَهٍ لِلْعَالَمِ فَلَا يُسْنِدُونَ إِلَى مَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ إِلَّا مَا يَجْهَلُونَ لَهُ سَبَبًا مِنْ نِظَامِ الطَّبِيعَةِ ، وَيَظُنُّونَ أَنَّ كُلَّ مَا يَجْرِي فِي نِظَامِ الْأَسْبَابِ فَلَيْسَ لِلَّهِ - تَعَالَى - فِيهِ مَشِيئَةٌ وَحِكْمَةٌ غَيْرَ سَبَبِهِ ، وَأَنَّ الْأَسْبَابَ لَا تَتَبَدَّلُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ صَلَاحًا وَفَسَادًا ، بَلْ يَعُدُّ الْمَادِّيُّونَ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ بِنِظَامِ الْأَسْبَابِ بُرْهَانًا عَلَى الْكُفْرِ وَالتَّعْطِيلِ ، وَعَلَى جَهْلِ الْمُؤْمِنِينَ بِتَرَقِّي الْعُلُومِ . وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِيهِمْ أَنَّ الْمُسْتَحْوِذَ عَلَى عُقُولِهِمْ هُوَ مَا يُسَمُّونَهُ (نَظَرِيَّةَ الْمِيكَانِيكِيَّةِ) وَخُلَاصَةُ مَعْنَاهَا أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ كَآلَةٍ كَبِيرَةٍ تُدَارُ بِقُوَّةٍ كَهْرَبَائِيَّةٍ فَيَتَحَرَّكُ بَعْضُ أَجْزَائِهَا بِحَرَكَةِ الْآخَرِ ، وَلَيْسَ لِلْقُوَّةِ الْمُحَرِّكَةِ لَهَا كُلِّهَا عِلْمٌ وَلَا إِرَادَةٌ وَلَا اخْتِيَارٌ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، وَنَقُولُ لَهُمْ: مَنْ أَوْجَدَ الْقُوَّةَ وَمَنْ يُحَرِّكُهَا وَيَحْفَظُ وَحْدَةَ النِّظَامِ فِيهَا ؟ !