وهذا القول الكريم يحُلُّ لنا إشكالاً كبيراً نعاني منه ، فهناك مَنْ يقول: إن هؤلاء المسلمين الذين يقولون: لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، ويقيمون الصلاة ، ويبنون المساجد ، بينما هُمْ قومٌ متخلّفون ومتأخّرون عن رَكْب الحضارة ، بينما نجد الكافرين وهم يَرْفُلُون في نعيم الحَضَارة .
ونقول: إن لله تعالى عطاءَ ربوبية للأسباب ، فمن أحسنَ الأسباب حتى لو كان كافراً ، فالأسباب تعطيه ، ولكن ليس له في الآخرة من نصيب ؛ لأن الحق سبحانه يقول:
{وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} [الفرقان: 23] .
والحق سبحانه يجزي الكافر الذي يعطي خيراً للناس بخيرٍ في الدنيا ، ويجزي الصادق الذي لا يكذب من الكفار بصدق الآخرين معه في الدنيا ، ويجزي من يمدُّ يده بالمساعدة من الكفار بمساعدة له في الدنيا .
وكلها أعمال مطلوبة في الدِّين ، ولكنَّ الكافر قد يفعلها ، فيردُّ الله سبحانه وتعالى له ما فعل في الدنيا ، وإنْ كان قد فعل ذلك ليُقَال: إن فلاناً عَمِلَ كذا ، أو فلاناً كان شَهْماً في كذا ، فيُقال له:"علْمتَ لِيُقال وقد قِيل".
وإذا كان الكافرون يأخذون بالأسباب ؛ فالحق سبحانه يعطيهم ثمرة ما أخذوا من الأسباب .
ويجب أن نقول لمن يتهم المسلمين بالتخلُّف:
لقد كان المسلمون في أوائل عهدهم متقدمين ، وكانوا سادة حين طبَّقوا دينهم ، ظاهراً وباطناً ، شكلاً ومضموناً .
وعلى ذلك فالتخلُّف ليس لازماً ولا ملازماً للإسلام ، وإنما جاء التخلُّف لأننا تركنا روح الإسلام وتطبيقه .
وإنْ عقدنا مقارنة بين حال أوربا حينما كانت الكنيسة هي المسيطرة ، كنا نجد طل صاحب نشاط عقلي مُبْدِعٍ ينال القتل عقوبة على الإبداع ، وكانت تسمى تلك الأيام في أوربا"العصور المظلمة".