وَأَنَّهُ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا لِنَفْسِهِ فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ وَيُلَقَّنُهَا لِئَلَّا يَنْسَاهَا ، وَهَذِهِ شُبْهَةٌ خَاصَّةٌ مُوَجَّهَةٌ إِلَى قِصَصِهِ الْمُتَفَرِّقَةِ فِي سُوَرِهِ الْكَثِيرَةِ ، لَا يَدْحَضُهَا عَجْزُهُمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِثْلِهِ فِي بَلَاغَتِهَا الَّتِي حَصَرُوا الْإِعْجَازَ فِيهَا ، وَلَا إِبْدَاعُ نَظْمِهَا وَلَا طَرَافَةُ أُسْلُوبِهَا أَيْضًا ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ قَصِيرَةً ، فَتَحَدَّاهُمْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ، أَيْ مِثْلِ هَذِهِ الْقِصَصِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهَا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ مِثْلَهَا إِذَا كَانَتْ جَامِعَةً لِمَزَايَاهَا الْمَعْنَوِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي بَيَّنَّا أَظْهَرَهَا فِي الْجُمَلِ الْعَشْرِ آنِفًا .
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ التَّحَدِّيَ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ قَدْ كَانَ لِإِبْطَالِ هَذِهِ التُّهْمَةِ الْخَاصَّةِ مِنَ الِافْتِرَاءِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَاهَا ، وَالسُّوَرُ الْمُفَصَّلَةُ فِيهَا الَّتِي تَمَّتْ عَشْرًا بِهَذِهِ السُّورَةِ (هُودٍ) وَكَلَّفَهُمْ دَعْوَةَ مَنِ اسْتَطَاعُوا مِنْ دُونِ اللهِ - تَعَالَى - لِيُظَاهِرُوهُمْ فَعَجَزُوا ، وَلَمْ يَجِدُوا مِنْ آلِهَتِهِمْ وَلَا مِنْ فُصَحَائِهِمْ وَلَا مِنْ أَعْدَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ ، فَقَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ وَعَلَى غَيْرِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَهَذِهِ حِكْمَةُ هَذَا التَّحَدِّي الظَّاهِرَةُ هُنَا .