الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا) اطْلُبُوا مِنْ رَبِّكُمُ الْمَغْفِرَةَ لِذُنُوبِكُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ ذَلِكَ وَهُوَ التَّوْبَةُ، فَقَالَ: (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) لِأَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْمُحَرِّضَ عَلَيْهَا هُوَ الِاسْتِغْفَارُ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّه إِلَّا بِإِظْهَارِ التَّوْبَةِ، وَالْأَمْرُ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُذْنِبَ مُعْرِضٌ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، والمعرض والمتمادي فِي التَّبَاعُدِ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ الْإِعْرَاضِ لَا يُمْكِنُهُ التَّوَجُّهُ إِلَى الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ، فَالْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ هُوَ التَّوَجُّهُ إِلَى الْمَطْلُوبِ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالْإِعْرَاضِ عَمَّا يُضَادُّهُ، فَثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مَطْلُوبٌ بِالذَّاتِ، وَأَنَّ التَّوْبَةَ مَطْلُوبَةٌ لِكَوْنِهَا مِنْ مُتَمِّمَاتِ الِاسْتِغْفَارِ، وَمَا كَانَ آخِرًا فِي الْحُصُولِ كَانَ أَوَّلًا فِي الطَّلَبِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَدَّمَ ذِكْرَ الِاسْتِغْفَارِ عَلَى التَّوْبَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي فَائِدَةِ هَذَا التَّرْتِيبِ أَنَّ الْمُرَادَ: اسْتَغْفِرُوا مِنْ سَالِفِ الذُّنُوبِ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ فِي الْمُسْتَأْنَفِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي، ثُمَّ تُوبُوا مِنَ الْأَعْمَالِ الْبَاطِلَةِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: الِاسْتِغْفَارُ طَلَبٌ مِنَ اللَّه لِإِزَالَةِ مَا لَا يَنْبَغِي وَالتَّوْبَةُ سَعْيٌ مِنَ الْإِنْسَانِ فِي إِزَالَةِ مَا لَا يَنْبَغِي، فَقَدَّمَ الِاسْتِغْفَارَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ يَجِبُ أَنْ لَا يَطْلُبَ الشَّيْءَ إِلَّا مِنْ مَوْلَاهُ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ، ثُمَّ بَعْدَ الِاسْتِغْفَارِ ذَكَرَ التَّوْبَةَ لِأَنَّهَا عَمَلٌ يَأْتِي بِهِ الْإِنْسَانُ وَيَتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى دَفْعِ الْمَكْرُوهِ وَالِاسْتِعَانَةُ بِفَضْلِ اللَّه تَعَالَى مُقَدَّمَةٌ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ بِسَعْيِ النَّفْسِ.
وَفِي الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ: