قال أبو علي: الوجه في قولهم: ما أتاني أحد إلا زيد ، الرفع على البدل من أحد ، وهو الأشيع في استعمالهم ، والأقيس ، وقوته من جهة القياس أن معنى: ما أتاني أحد إلا زيد ومعنى: ما أتاني إلا زيد ، واحد . فكما اتفقوا في: ما أتاني إلا زيد ، على الرفع ، وكان: ما أتاني أحد إلا زيد ، بمنزلته وبمعناه ؛ اختاروا الرفع مع ذكر أحد ، وأجروا ذلك مجرى: يذر ، ويدع ، في أنّ يذر لما كان في معنى يدع ، فتح كما فتح يدع ، وإن كان لم يكن في يذر حرف من حروف الحلق ، وممّا يقوّي ذلك ، أنّهم في الكلام وأكثر الاستعمال يقولون: ما جاءني إلا امرأة ، فيذكّرون حملا على المعنى ، ولا يكادون يؤنثون ذلك فيما زعم أبو الحسن إلا في الشعر كقوله:
برى النّحز والأجرال ما في غروضها ... فما بقيت إلّا الضلوع الجراشع
وقال:
وما بقيت ... إلا النّحيزة والألواح والعصب
فكما أجروه على المعنى في هذا الموضع ، فلم يلحقوا الفعل علامة التأنيث ، كذلك أجروه عليه في نحو: ما جاءني أحد إلا زيد ، فرفعوا الاسم الواقع بعد الاستثناء .
وأما من نصب فقال: ما جاءني أحد إلا زيدا ، فإنه جعل النفي بمنزلة الإيجاب ، وذلك أن قوله: ما جاءني أحد ، كلام
مستقلّ ، كما أنّ: جاءني القوم ، كذلك ، فنصب مع النفي كما نصب مع الإيجاب من حيث اجتمعا في أن كل واحد منهما كلام مستقل ، فأما قوله: ولا يلتفت منكم أحد إلا أمرأتك فإذا جعلت قوله إلا أمرأتك مستثنى من لا يلتفت كان الوجهان:
الرفع ، والنصب ، والوجه الرفع ، وإن جعلت الاستثناء في هذه من قوله: فاسر بأهلك* لم يكن إلا النصب . وزعموا أن في حرف عبد الله أو أبيّ: فاسر بأهلك بقطع من الليل إلا أمرأتك وليس فيه: ولا يلتفت منكم أحد فهذا تقوية لقول من نصب ، لأنه في هذه القراءة استثناء من قوله: فأسر بأهلك فكما أن الاستثناء من قوله: فاسر بأهلك دون أحد ، كذلك إذا ذكرت أحدا يكون منه ، ولا يكون على البدل من أحد .