ولذلك كانوا يموّهون على الناس فيبنون له البيوت في الأهرام ويودعون بها لباسه وطعامه ورياشه وأنفَس الأشياء عنده ، فموته بالغرق وهو يُتبع أعداءه ميتَة لا تُوَوّلُ بشيء من ذلك ، فلذلك جعل كونه آية لمن خلفه علة لإخراجه من غمرة الماء ميتاً كاملاً ، فهم مضطرون إلى الاعتراف بأنه غرق إذا نظروا في تلك الآية.
ولم يعدم فرعون فائدة من إيمانه ، فإن الله بحكمته قدر له الخروج من غمرات الماء ، فلم يبق في الماء أكلة للحيتان ولكن لفظته الأمواج ، وتلك حالة أقل خزياً من حالات سائر جيشه بها ظهر نفع ما له بما حصل لنفسه من الإيمان في آخر أحواله.
وكلمة {فاليوم} مستعملة في معنى (الآن) لأن اسم اليوم أطلق على جزء من زمن الحال مجازاً بعلاقة الكلية والجزئية.
وجملة: {وإنْ كثيراً من النّاس عن آياتنا لغافلون} تذييل لموعظة المشركين ، والواو اعتراضية ، أو واو الحال.
والمراد منه: دفع توهم النقص عن آيات الله عندما يحرم كثير من الناس الاهتداء بها ، فهي في ذاتها دلائل هدى سواء انتفع بها بعض الناس أم لم ينتفعوا فالتقصير منهم.
واعلم أن هذه الآية أصرح آية في القرآن دلالةً على أن فرعون الذي أرسل إليه موسى والذي أتبع بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر قد أصابه الغرق.
وقد أشارت إليه آية سورة الأعراف وآية سورة البقرة.
وفرعون هذا هو منفطاح الثاني ، ويقال له (مَيْرنْبَتَا) بياء فارسية أو (منفتاح) ، أو (منيفتا) وهو ابن رعمسيس الثاني المعروف عند اليونان باسم (سَيْزُوسْتريس) ، من ملوك العائلة التاسعة عشرة من الأسر الفرعونية ، وكانوا في حدود سنة1491 قبل المسيح.
قال ابن جُريج: كان فرعون هذا قصيراً أحمر فلا نشك في أن منفطاح الثاني مات غريقاً في البحر ، وأنه خرجت جثته بعد الغرق فدُفن في وادي الملوك في صعيد مصر.