والفاء التي في قوله: {فاليوم} فاء الفصيحة ، تفصح عن شرط مقدر في الكلام يدل عليه السياق.
والمعنى: فإن رمتَ بإيمانك بعد فوات وقته أن أُنجيك من الغرق فاليوم ننجيك ببدنك ، والكلام جار مجرى التهكم ، فإطلاق الإنجاء على إخراجه من البحر استعارة تهكمية.
وليس مسوغها التهكم المحض كما هو الغالب في نوعها ، بل فيها علاقة المشابهة ، لأن إخراجه إلى البر كاملاً بشكّته يشبه الإنجاء ، ولكنه ضد الإنجاء ، فكان بالمشابهة ، استعارة ، وبالضدية تهكماً ، والمجرور في قوله: {ببدنك} حال.
والأظهر أن الباء من قوله: {ببدنك} مزيدة للتأكيد ، أي تأكيد آية إنجاء الجسد ، فيكون قوله: (بدنك) في معنى البدل المطابق من الكاف في {ننجيك} كزيادة الباء في قول الحريري:"فإذا هو أبو زيد بعينه ومَينه".
والبدَن: الجسم بدون روح وهذا احتراس من أن يظن المراد الإنجاء من الغرق.
والمعنى: ننجيك وأنت جسم.
كما يقال: دخلت عليه فإذا هو جثة ، لأنه لو لم يكن المقصود الاقتصار على تلك الحالة لما كان داع للبليغ أن يزيد ذلك القيد ، فإن كل زيادة في كلام البليغ يقصد منها معنى زائد ، وإلا لكانت حشوا في الكلام والكلام البليغ موزون ، ولغة العرب مبنية على أساس الإيجاز.
و {لمن خلفك} أي من وراءك.
والوراء: هنا مستعمل في معنى المتأخر والباقي ، أي من ليسوا معك.
والمراد بهم من يخلفه من الفراعنة ومن معهم من الكهنة والوزراء ، أي لتكون ذاته آية على أن الله غالب من أشركوا به ، وأن الله أعظم وأقهر من فرعون وآلهته في اعتقاد القبط ، إذ يرون فرعون الإله عندهم طريحاً على شاطيء البحر غريقاً.
فتلك ميتة لا يستطيعون معها الدجل بأنه رفع إلى السماء ، أو أنه لم يزل يتابع بني إسرائيل ، أو نحو ذلك من التكاذيب لأنهم كانوا يزعمون أن فرعون لا يُغلب ، وأن الفراعنة حين يموتون إنما ينقلون إلى دار الخلود.