وقد استشكل بعض الناس هذه الآية فقال: كيف دعا عليهم وحكم الرسل استدعاء إيمان قومهم ؛ فالجواب أنه لا يجوز أن يدعو نبيّ على قومه إلا بإذن من الله ، وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن ؛ دليله قوله لنوح عليه السلام: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} [هود: 36] وعند ذلك قال: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً} [نوح: 26] الآية.
والله أعلم.
قوله تعالى: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا}
قال أبو العالية: دعا موسى وأمّن هارون ؛ فسمى هارون وقد أمّن على الدعاء داعياً.
والتأمين على الدعاء أن يقول آمين ؛ فقولك آمين دعاء ، أي يا رب استجب لي.
وقيل: دعا هارون مع موسى أيضاً.
وقال أهل المعاني: ربما خاطبت العرب الواحد بخطاب الاثنين ؛ قال الشاعر:
فقلت لصاحبي لا تُعجلانا ...
بنزع أُصوله فاجتز شِيحا
وهذا على أن آمين ليس بدعاء ، وأن هارون لم يدع.
قال النحاس: سمعت عليّ بن سليمان يقول: الدليل على أن الدعاء لهما قول موسى عليه السلام"ربنا"ولم يقل رب.
وقرأ عليّ والسُّلَمِيّ"دعواتُكما"بالجمع.
وقرأ ابن السَّمَيقَع"أجبتُ دعوتَكما"خبراً عن الله تعالى ، ونصب دعوة بعده.
وتقدم القول في"آمين"في آخر الفاتحة مستوفًى.
وهو مما خص به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهارون وموسى عليهما السلام.
روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله قد أعطى أُمّتي ثلاثاً لم تُعْط أحداً قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين إلا ما كان من موسى وهارون"ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأُصول.
وقد تقدّم في الفاتحة.
قوله تعالى: {فاستقيما} قال الفرّاء وغيره: أمر بالاستقامة على أمرهما والثبات عليه من دعاء فرعون وقومه إلى الإيمان ، إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة.