قال في الكشاف: ونظيره في الكلام: إن ضربك زيد فاضربه ، إن كانت لك به قوّة {فَقَالُواْ} أي: قوم موسى مجيبين له {عَلَى الله تَوَكَّلْنَا} ثم دعوا الله مخلصين ، فقالوا: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً} أي: موضع فتنة {لّلْقَوْمِ الظالمين} والمعنى: لا تسلطهم علينا ، فيعذبونا حتى يفتنونا عن ديننا ، ولا تجعلنا فتنة لهم ، يفتنون بنا غيرنا ، فيقولون لهم: لو كان هؤلاء على حق لما سلطنا عليهم وعذبناهم ، وعلى المعنى الأوّل: تكون الفتنة بمعنى المفتون.
ولما قدّموا التضرّع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد ، أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم ، فقالوا: {وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين} وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم.
قوله: {وَأَوْحَيْنَا إلى موسى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا} "أن"هي المفسرة لأن في الإيحاء معنى القول أن تبوّآ: أي: اتخذوا لقومكما بمصر بيوتاً ؛ يقال: بوّأت زيداً مكاناً ، وبوّأت لزيد مكاناً ، والمبوأ: المنزل الملزوم ، ومنه بوّأه الله منزلاً: أي ألزمه إياه ، وأسكنه فيه ، ومنه الحديث:"من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار"ومنه قول الراجز:
نحن بنو عدنان ليس شك... تبوّأ المجد بنا والملك
قيل: ومصر في هذه الآية هي الإسكندرية ، وقيل: هي مصر المعروفة ، لا الإسكندرية {واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} أي: متوجهة إلى جهة القبلة ، قيل: والمراد بالبيوت هنا: المساجد ، وإليه ذهب جماعة من السلف.
وقيل المراد بالبيوت: التي يسكنون فيها ، أمروا بأن يجعلوها منا قبلة ، والمراد بالقبلة على القول الأوّل: هي جهة بيت المقدس ، وهو: قبلة اليهود إلى اليوم.