أي: أنكم تؤدون فروض الإسلام الظاهرية ، لكن الإيمان لم يدخل قلوبكم بعد .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله فَعَلَيْهِ توكلوا} [يونس: 84] .
وهكذا نرى أن التوكل مطلوب الإيمان ، وأن يُسلم الإنسان زمامه في كل أمر إلى مَنْ آمن به ؛ ولذلك لا ينفع الإيمان إلا بالإسلام ، فإن كنتم مسلمين مع إيمانكم فتوكلوا على الله تعالى .
لكن إن كنتم قد آمنتم فقط ولم تسلموا الزمام لله في التكاليف إلى الله في"افعل"و"لا تفعل"، فهذا التوكل لا يصلح .
وهكذا يتأكد لنا ما قلناه من قبل من أنك إذا رأيت أسلوباً فيه شرط تقدم ، وجاء جواب بعد الشرط ، ثم جاء شرط آخر ، فاعلم أن الشرط الأخير هو المقدَّم ، لأنه شرط في الشرط الأول ، وبالمثل هنا فإن التوكل لن ينشأ إلا بالإسلام مع الإيمان .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَقَالُواْ على الله تَوَكَّلْنَا}
أي: أنهم استجابوا لدعوة موسى عليه السلام بمجرد قولهم: {على الله تَوَكَّلْنَا} .
وإذا تقدم الجار على المجرور فمعنى ذلك قَصْر وحَصْر الأمر ، وهنا قصر وحصر التوكل على الله تعالى ، ولا توكل على سواه .
ويأتي بعد ذلك دعاؤهم:
{رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين} [يونس: 85] .
والفتنة: اختبار ، وهي كما قلنا من قبل ليست مذمومة في ذاتها ، بل المذموم أن تكون النتيجة في غير صالح من يمر بالفتنة .
ويقال: فتنت الذهب ، أي: صهرت الذهب ، واستخلصته من كل الشوائب ، ونحن نعلم أن صُنَّاع الذهب يخلطونه بعناصر أخرى ؛ ليكون متماسكاً ؛ لأن الذهب غير المخلوط بعناصر أخرى لا يتماسك .
والفتنة التي قالوا فيها:
{رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين} [يونس: 85] .
هي فتنة الخوف من أن يرتد بعضهم عن الإيمان لو انتصر عليهم فرعون وعذَّبهم ، وكأنهم يقولون: يا رب لا تسلّط علينا فرعون بعذاب شديد .