{ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} [يونس: 71] .
والغمة: منها الغمام ، ومنها الإغماء ، أي: فقد الوعي وسَتْر العقل ، أي: أنه قال لهم: لا تتبعوا أنفسكم بتبادل الهمسات فيما بينكم بل افعلوا ما يحلو لكم ، ولا تحاولوا ستر ما سوف تفعلون .
إن عليكم أن تجتمعوا على راي واحد أنتم وشركاؤكم الذين تعتمدون عليهم ، وتعبدونهم ، أو شركاؤكم في الكفر ، ولم يأبَهْ نوح عليه السلام بتقوية العصبية المضادة له ؛ لأنه متوحل على الله فقط .
لذلك يقول: {ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ} [يونس: 71] .
أي: أنه يُحفِّزهم على الاجتماع على أمر واحد ومعهم شركاؤهم سواء من الأصنام التي عبدوها أو من أقرانهم في الكفر وأن يصمموا على المضيّ في تنفيذ ما اتفقوا عليه .
و"قضى"أي: حكم حكماً ، ولكن الحكم على شيء لا يعني الاستمرار بحيث ينفذ ، فقد يُقضيَ على إنسان بحكم ؛ ويوقف التنفيذ .
لكن قوله: {اقضوا إِلَيَّ} يعني: أصدروا حكمكم وسيروا إلى تنفيذ ما قضيتم به .
ثم يقول: {وَلاَ تُنظِرُونَ} أي: لا تمهلوني في تنفيذ ما حكمتم به عليَّ .
والمتأمل للآية الكريمة يجد فيها تحدياً كبيراً ، فهو أولاً يطلب أن يجتمعوا على أمر وا حد ، هم وشركاؤهم ، ثم لا يكون على هذا الأمر غُمَّة ، ثم اقضوا إليَّ ما اتفقتم عليه من حكم ونفِّذوه ولا تؤجلوه ، فهل هناك تحدًّ للخصم أكثر من ذلك؟
لقد كانوا خصوماً معاندين ، ظل نوح عليه السلام يترفق إليهم ويتحنن لهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ، وصبر عليهم كل هذا الوقت ، ولا بد إذن من حدوث فاصل قوي ، ولهذا كان الترقِّي في التحدي ، فدعاهم إلى جمع الأمر ومعهم الشركاء ، ثم بإصدار حكمهم عليه وعدم الإبطاء في تنفيذه ، كان هذا هو التحدي الذي أخذ يترقى إلى أن وصل إلى قبول تنفيذ الحكم .