أي: أنني لن أتنازل عن دعوتي ، ونلحظ أنك إن قلت:"توكَّلتُ على الله"فقد يعني هذا أنك قد تقول: وعلى فلان ، وفلان ، وفلان لكنك إن قلت: {فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ} [يونس: 71] .
فأنت قد قصرت توكُّلك على الله فقط .
وهكذا واجه نوح عليه السلام قومه ، ورصيده في ذلك هو الاعتماد والتوكل على من أرسله سبحانه ، ويحاول أن يهديهم ، لكنهم لم يستجيبوا ، وقال لهم:
{فأجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} [يونس: 71] .
ومعنى جمع الأمر: (أي: جمع شتات الآراء كلها في رأي واحد) ، أي: اتفقوا يا قوم على رأي واحد ، وأنتم لن تضروني . وجمع أمر الأجيال التي ظل سيدنا نوح عليه السلام يحاول هدايتها تحتاج إلى جهد ؛ لأن الجيل العقلي ينقسم إلى عشرين سنة .
وقد ظل سيدنا نوح عليه السلام يدعو القوم بعدد ما عاش فيهم ، أي: ألف سنة إلى خمسين ، فكم جيل إذن ظل نوح يعالجه؟
إنها أجيال متعددة ، ومع ذلك لم يظفر إلا بقدر قليل من المؤمنين بحِمْل سفينة واحدة ، ومعهم الحيوانات أيضاً ، فضلاً عن أن ابنه خرج أيضاً مع القوم الكافرين ، وناداه نوح عليه السلام ليركب معه وأن يؤمن ، فرفض ، وآثر أن يظل في جانب الكفر ، بما فيه من فناء للقوم الكافرين ، وظن أنه قادر على أن يأوي إلى جبل يعصمه من الطوفان ، ولم ينظر ابن نوح إلى جندي آخر من جنود الله سبحانه يقف عقبة في سبيل الوصول إلى الجبل ، وهو الموج .
إذن: فقول نوح عليه السلام:
{فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ} [يونس: 71] .
له رصيد إيماني ضمني ، فلا يوجد مجير على الله من خلق الله ؛ لأن الخلق كله جماده ونباته وحيوانه إنما ينصاع لأمر الله تعالى في نصرة نوح عليه السلام ولن يتخلف شيء .
هكذا كان توكُّل نوح عليه السلام على الله تعالى بما في هذا التوكل من الرصيد الإيماني المتمثل في: