مشهوراً تجاهرونني به فإن السرَّ إنما يُصار إليه لسد باب تدارُك الخلاصِ بالهرب أو نحوه، فحيث استحال ذلك في حقي لم يكن للسر وجهٌ وإنما خاطبهم عليه السلام بذلك إظهاراً لعدم المبالاةِ بهم وأنهم لم يجدوا إليه سبيلاً وثقةً بالله سبحانه وبما وعده من عصمته وكَلاءتِه، فكلمةُ ثمّ للتراخي في الرتبة، وإظهارُ الأمر في موقع الإضمارِ لزيادة تقريرٍ يقتضيها مقامُ الأمرِ بالإظهار الذي يستلزمه النهيُ عن التستر والإسرار، قيل: المرادُ بأمرهم ما يعتريهم من جهته عليه السلام من الحال الشديدةِ عليهم المكروهةِ لديهم، والغُمة والغمّ كالكُربة والكرب وثم للتراخي الزماني، والمعنى لا يكن حالُكم عليكم غمةً وتخلّصوا بإهلاكي من ثِقَل مقامي وتذكيري، ولا يخفى أنه لا يساعده قولُه عز وجل {ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ} أي أدّوا إليّ أي أحكِمُوا ذلك الأمرَ الذي تريدون بي ولا تمهلوني كقوله تعالى:
{وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر} أو أدوا إلي ما هو حقٌّ عليكم عندكم من إهلاكي كما يقضي الرجلُ غريمَه، فإن توسيطَ ما يحصل بعد الإهلاك بين الأمر بالعزم على مباديه وبين الأمر بقضائه من قبيل الفصلِ بين الشجرِ ولِحائِه، وقرئ أفضوا بالفاء أي انتهوا إليّ بشرّكم أو ابرُزوا إليّ، من أفضى إذا خرج إلى الفضاء. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 4 صـ}