والشهادة تتضمن هنا معنى المراقبة والإحصاء والتتبع والاستقراء، ولذا قال تعالى في بيان أنه يعلم كل شأن وكل عمل في وقت وقوعه (إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) أفاض بمعنى اندفع واسترسل، والضمير في كلمة (فِيهِ) يعود إلى كلمة (عَمَلٍ) أي لَا تعملون عملا، ويشمل العمل القول، إلا يعلمه سبحانه وقت أن تندفعوا فيه مسترسلين سواء كان خيرا أم كان شرا، دقَّ أو جل؛ ولذا قال سبحانه في بيان علمه لكل شيء مهما صغر: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) ، (يَعْزُبُ) أي يغيب فالمعنى أنه لَا يغيب ولا يبعد فهو حاضر دائما مهيأ عند الحساب، (مِّثْقَالِ ذَرَّة) أي وزن ذرة وهي أصغر جزء لفتات الأشياء، وقد أثبت العلم أن بالذرة نواة ذات ثقل واللَّه تعالى أعلم بما فيها، وقال العلماء: إن في قوتها مجتمعة ومنفردة دليل لقدرة المنشئ لكل شيء في الوجود الفاعل المريد المختار.
ثم يقول سبحانه في بيان عموم علمه: (وَلا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكبَرَ) كلمة (لا) هنا هي تأكيد للنفي في (مَا يَعْزُبُ) وكل هذا مكتوب في كتاب مبين، أي بيَّن واضح يبرز يوم القيامة منشورا معلما كل ما فيه، ولقد ذكر سبحانه عموم علمه بالأشياء (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(59) .