الرابع: أن اللذات الجسمانية لا تكون باقية ، فكلما كان الالتذاذ بها أكثر كانت الحسرات الحاصلة من خوف فواتها أكثر وأشد ، ولذلك قال المعري:
إن حزنا في ساعة الموت أضعا.. ف سرور في ساعة الميلاد
فمن المعلوم أن الفرح الحاصل عند حدوث الولد لا يعادل الحزن الحاصل عند موته.
الخامس: أن اللذات الجسمانية حال حصولها تكون ممتنعة البقاء ، لأن لذة الأكل لا تبقى بحالها ، بل كما زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل ولا يمكن استبقاء تلك اللذة.
السادس: أن اللذات الجسمانية التذاذ بأشياء خسيسة ، فإنها التذاذ بكيفيات حاصلة في أجسام رخوة سريعة الفساد مستعدة للتغير ، فأما اللذات الروحانية فإنها بالضد في جميع هذه الجهات ، فثبت أن الفرح باللذات الجسمانية فرح باطل ، وأما الفرح الكامل فهو الفرح بالروحانيات والجواهر المقدسة وعالم الجلال ونور الكبرياء.
والبحث الثاني: من مباحث هذه الآية أنه إذا حصلت اللذات الروحانية فإنه يجب على العاقل أن لا يفرح بها من حيث هي هي ، بل يجب أن يفرح بها من حيث إنها من الله تعالى وبفضل الله وبرحمته ، فلهذا السبب قال الصديقون: من فرح بنعمة الله من حيث إنها تلك النعمة فهو مشرك ، أما من فرح بنعمة الله من حيث إنها من الله كان فرحه بالله ، وذلك هو غاية الكمال ونهاية السعادة فقوله سبحانه: {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} يعني فليفرحوا بتلك النعم لا من حيث هي هي ، بل من حيث إنها بفضل الله وبرحمة الله ، فهذه أسرار عالية اشتملت عليها هذه الألفاظ التي ظهرت من عالم الوحي والتنزيل ، هذا ما تلخص عندنا في هذا الباب ، أما المفسرون فقالوا: فضل الله الإسلام ، ورحمته القرآن.
وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن ، ورحمته أن جعلكم من أهله.
المسألة الرابعة: