إذن: فالآيات تطلق على ثلاثة أمور: الآيات الكونية للنظر والاعتبار ، وآيات إعجازية لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن الله ، وآيات قرآنية تحمل الأحكام والتحدي للمشركين أن يأتوا بمثلها .
وهنا في قوله الحق: {الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم} المراد بها: الآيات القرآنية ، وما دام الله هو خالق الآيات الكونية الحسية ، وخالق المعجزات ؛ وهو منزَِّل القرآن ؛ فلا تعارض بين الآيات ؛ لأن مصدرها واحد .
وقوله: {الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم} [يونس: 1]
وكلمة {الحكيم} معناها: الذي يضع الشيء في موضعه الدقيق بحكمة ، فلا ينظر إلى ظاهر معطيات الشيء الآن ويغفل ما قد يأتي به من مضرّة .
ولله المثل الأعلى أقول: إنك قد تصل إلى الشيء ، وتظن أنه يخلصك من متاعب أخرى ، لكنه قد يؤدي إلى شيء أضر ، وهذا هو السبب في اختلاف ألوان ووظائف العقاقير المختلفة ، ولذلك نجد الطبيب الحاذق يكتب عدداً من الأدوية ؛ ليستخلص المريض منها ما يشفيه ، ويحاول بقدر الإمكان أن يُجنبه الآثار الجانبية لتلك الأدوية .
إذن: فهذه حكمة ؛ لأن الطبيب لا يكتب الدواء الواحد الذي قد يأتي منه أثر ضار ، بل يكتب معه دواء يخفّف من ضرره ، وهذه حكمة منه لأنه يعمل احتياطات لما قد ينشأ من ضرر أو أثر جانبي .
وفي أوائل الخمسينات ، حاول العلماء أن يقللوا من أثر تهديد الحشرات للزروع ، واخترعوا مادة اسمها"د . د . ت"لمقاومة الحشرات ، وافتخروا بهذا كل الفخر حتى علا كل صوت ، وهذا لأن البشرية وصلت إلى مادة تقضي على الحشرات ، ولكنهم اكتشفوا أن هذه المادة تضر الكائنات الحية الأخرى ، والآن تُوقع العقوبة على من يستخدم تلك المادة ؛ لأن ذلك عمل قد تم بغير حكمة . قد نأخذ منه ظاهر النفع ، لكن له جوانب متعددة من الضرر ، فقد سمّم الحيوانات وسمّم الزروع .
إذن: فالحكمة تعني: أن تضع الشيء في موضعه ؛ ليعطيك فائدة لا تحدث ضرراً فيما بعد .