وأيضاً صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أهل حرص على الفهم ، هل سمعت أن أحداً سأل رسول الله عن معنى {الم} ؟ لم يحدث ، مما يدل على أنهم انفعلوا لقائلها بسرِّ الله فيها ، لا بفهم عقولهم لها ؛ لأن الوارد من عند الله لا يوجد له معارض من النفس ، وإن لم العقل فهو يرفضه مع استراحة النفس له .
وضربنا من قبل مثلاً ، فقلنا: إن آل فرعون حين استحيوا نساء بني إسرائيل وذبحوا الذكور ، فماذا فعلت أم موسى؟ لقد أوحى لها الله ما جاء خبره في القرآن: {وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم ...} [القصص: 7]
هاتِ أيَّ أمٍّ وقُلْ لها: حين تخافين على وليدك فارميه في البحر ، طبعاً لن تنفذ أي أم هذا الاقتراح .
كان من الممكن أن تحاول أم موسى إخفاء موسى بأي وسيلة .
أما أن تلقيه في البحر مظنّة أن تنجيه من الذبح ، فهذا أمر غير متخيَّل ، ولكن هذا أمر وارد من الرحمن بالإلهام والوحي ، فلا يأتي الشيطان ؛ ليعارضه أبداً ؛ ولذلك طمأنها الحق سبحانه ؛ لأن الآيات وردت: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم ...} [القصص: 7]
وكأن هناك تمهيداً يعلِّمها الاستعداد للأمر قبل أن يقع ، وحين جاء الأمر: {إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ مَا يوحى * أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم ...} [طه: 38 - 39]
والكلام هنا كلام عَجَلَة ؛ لأن هذا وقت التنفيذ ، وطمأنها سبحانه بأن أصدر أوامره للبحر أن يقذفه إلى الشاطئ:
{فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل ...} [طه: 39]
وأصدر الحق أوامرع إلى العدوِّ أن يأخذه ؛ ليربيه: {فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ...} [طه: 39]
إذن: وارد الرحمن لا يأتي له رد أبداً .
وكذلك يستقبل المؤمن {الم} بسر الله فيها ، لا بفهم عقله .