وأنا أنصح من يريد أن يقرأ القرآن تعبداً ألا يشغل نفسه بالمعنى ، على خلاف من يقول:"اقرأ لتستنبط"؛ لأن من يريد أن يستنبط هو الذي يقف عند اللفظ ، ويطلب معناه . فإذا قرأت القرآن للتعبد ؛ فلتقرأه بسر الله فيه ؛ حتى لا تحدد القرآن بمعلوماتك ؛ فتأخذه أخذاً ناقصاً بنقصك البشرى ؛ لذلك في قراءة التعبد نأخذ اللفظ بسر الله في اللفظ ؛ فليس كل قارئ للقرآن متخصصاً في اللغة ؛ ليعرف أصل كل كلمة ، والكثير منا أمي ، يريد التعبد بالقرآن ، إذن - فليأخذ القرآن بسر من لقنه إياها .
وقد فهم العربي القديم عن الحروف التوقيفية في أوائل بعض السور أشياء ، وللغته فيها نظائر ؛ لأنه مثلاً حين يقرأ الشعر ، ويلتفت إلى شاعر يقول:
ألا هُبِّي بِصحْنكِ فَاصبِحينا ... ويقول:
ألا لايَجْهَلنْ أحدٌ عليْنا ... فَنجهَل فوْقَ جَهل الجَاهِلينَا
ما معنى ألا هنا ، ولماذا جاءت؟ فالمعنى واضح بدونها ، لكن العربي القديم قد نطق هذا البيت ، وعرف أن الكلام وسيلة إفهام وفهم بين المتكلم والسامع . والمتكلم هو مالك الزمام في أن يتكلم ، أو لا يتكلم ، والسامع مفاجأ بالكلام ، فإذا ما ألقيت الكلام إلى السامع ؛ قد يكون في ذهنه مشغولاً ، وإلى أن ينتبه لكلماتك ، قد تفوته جزئية من جزئيات الكلام ؛ فتنبه أنت إلى ما قلت ؛ فيتنبه ؛ ليستوعب كل ما قلت .
إذن: فما المانع أن يكون الحق سبحانه وتعالى يريد أن يهيئ الأذهان ب {الم} ؛ حتى نسمع ، ثم تأتي الآيات الحاملة للمنهج من بعد ذلك؟
وما المانع في أن نفهم أن النبي الأمي لا يعرف كيف ينطق بأسماء الحروف ، فهو إن نطق فإنما يصدر ذلك بعد تعليم الله له؟