ونقل الرازي عن أبي مسلم أن السائحين: السائرون في الأرض ، وهو مأخوذ من السيح ، سيح الماء الجاري ، والمراد به من خرج مجاهداً مهاجراً .
وتقريره أنه تعالى حث المؤمنين في الآية الأولى على الجهاد ، ثم ذكر هذه الآية في بيان صفات المجاهدين ، فينبغي أن يكونوا موصوفين بجميع هذه الصفات .
وروى مثله أبن أبي حاتم عن عبد الرحمن أنه قال: هم المهاجرون .
وعن عِكْرِمَة أنهم المنتقلون لطلب العلم .
قال ابن كثير: جاء ما يدل على أن السياحة الجهاد ، فقد روى أبو داود من حديث أبي أمامة أن رجلاً قال: يا رسول الله ! ائذن لي في السياحة ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ( سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ) .
أقول: لو أخذ هذا الحديث تفسيراً للآية لالتقى مع كل ما روي عن السلف فيها ، لأن الجهاد في سبيل الله ، كما يطلق على قتال المشركين ، يطلق على كل ما فيه مجاهدة للنفس في عبادته تعالى ، ومنه الهجرة والصوم ، والسفر للتفقه في الدين أو للإعتبار ، بل ذلك هو الجهاد الأكبر .
هذا على إرادة التوفيق بين المأثورات ، أما لو أريد باللفظ أصل حقيقته اللغوية ، أعني الضرب في الأرض خاصة ، الذي عبر عن عِكْرِمَة بالمنتقلين لطلب العلم ، لكان بمفرده كافياً في المعنى ، مشيراً إلى وصف عظيم ، وهذا ما حدا بأبي مسلم أن يقتصر عليه ، هو الحق في تأويل الآية .
وقد رأيت لبعض المحققين مقالة في تأييده ، يجدر بالمحقق أن يقف عليها ، وهاك خلاصتها: قال: الكتاب الحكيم يأمر الْإِنْسَاْن كثيراً بأن يضحي قسماً من حياته في السياحة والتسيار ، لأجل اكتشاف الآثار ، والوقوف على أخبار الأمم البائدة
ليكون ذلك مثال عظة واعتبار ، يضرب على أدمغة الجامدين بيد من حديد .