وجاء عن عائشة"سياحة هذه الأمة الصيام"، وهو من باب الاستعارة لأن الصوم يعوق عن الشهوات كما أن السياحة تمنع منها في الأكثر ، أو لأنه رياضة روحانية ينكشف بها كثير من أحوال الملك والملكوت فشبه الاطلاع عليها بالاطلاع على البلدان والأماكن النائية إذ لا يزال المرتاض يتوصل من مقام إلى مقام ويدخل من مدائن المعارف إلى مدينة بعد أخرى على مطايا الفكر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أن السائحين هم المهاجرون ليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم سياحة إلا الهجرة.
وأخرج هو.
وأبو الشيخ عن عكرمة أنهم طلبة العلم لأنهم يسيحون في الأرض لطلبه ، وقيل: هم المجاهدون لما أخرج الحاكم وصححه.
والطبراني.
وغيرهما"عن أبي أمامة أن رجلاً استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السياحة فقال: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تعالى"والمختار ما تقدم كما أشرنا إليه ، وإنما لم تحمل السياحة على المعنى المشهور لأنها نوع من الرهبانية ، وقد نهى عنها وكانت كما أخرج ابن جرير عن وهب بن منبه في بني إسرائيل {الركعون الساجدون} أي في الصلوات المفروصات كما روي عن الحسن ، فالركوع والسجود على معناهما الحقيقي ، وجعلهما بعضهم عبارة عن الصلاة لأنهما أعظم أركانهافكأنه قيل: المصلون {الامرون بالمعروف} أي الإيمان {والناهون عَنِ المنكر} أي الشرك كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الأمرين ، ولو أبقى لفظ النظم الجليل على عمومه لكان له وجه بل قيل إنه الأولى ، والعطف هنا على ما في المغنى إنما كان من جهة إن الأمر والنهي من حيث هما أمر ونهي متقابلان بخلاف بقية الصفات لأن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر وهو ترك المعروف والناهي عن المنكر آمر بالمعروف فأشير إلى الاعتداد بكل من الوصفين وأنه لا يكفي فيه ما يحصل في ضمن الآخر ، وحاصله على ما قيل: إن العطف لما بينهما من التقابل أو لدفع الايهام.