وأخرجه هو، والطبراني في"الكبير"، من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -، إلا أنَّ الطبراني وَقَفَهُ على ابن مسعود.
وفيه إشارة أن المتعلم لا ينبغي أن يحتقر نفسه احتقاراً يمنعه عن الطلب، فقد يأتي زمان يحتاج الناس فيه إليه، وكذلك لا ينبغي أن يمتنع
عن الطلب تكبراً.
وفي كتاب الله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ (146) } [سورة الأعراف: 146] الآية.
وقال بعض السلف: لا ينال العلم مُسْتَحْيٍ ولا متكبر.
وروى أبو نعيم عن شعبة رحمه الله قال: إنَّ الذين يطلبون العلم على الدواب لا يفلحون.
والتواضع مطلوب من كل مؤمن، ومن المتعلم أولى، وهو من تمام التشبه بالعلماء.
وإن كان العلم شرفاً فإنما يتم شرفه بتواضع المتصف به، ثم إن شرف العلم مرغوب فيه؛ لأنه يمنع صاحبه عن تسلط السفهاء ومَعَرَّة اللؤماء ومضرة الأشقياء، ويربي له المهابة عند الملوك، فتنفذ فيهم كلمته، وتنفع فيهم موعظته ونصيحته، فالعلم وطلبه بهذه النية عمل صالح، كما سبق.
وروى الدينوري عن الأصمعي قال: دخل عطاء بن أبي رباح
رحمه الله على عبد الملك بن مروان وهو على سريره، فلما بصر به قام إليه وأجلسه معه على السرير، وقعد بين يديه، وقال له: يا أبا محمد! حاجتك؟ قال: يا أمير المؤمنين! اتقِ الله في حرم الله وحرم رسوله؛ فتعاهده بالعمارة، واتقِ الله في أولاد المهاجرين والأنصار؛ فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتقِ الله في أهل الثغور؛ فإنهم حصن للمسلمين، وتفقد أمر المسلمين؛ فإنك وحدك المسؤول عنهم، واتقِ الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم، ولا تغلق بابك.
فقال له: أفعل، ثم نهض وقام، فقبض عليه عبد الملك، فقال: يا أبا محمد! إنما سألتنا حوائج غيرك، ثم قد قضيناها، فما حاجتك؟ فقال: ما لي إلى مخلوق حاجة، ثم خرج]، فقال عبد الملك: هذا الشرف، هذا - وأبيك - السُّؤدد.
وقد تقدم ما رواه الدينوري - أيضاً - من صنيع ابن عباس - رضي الله عنهما - مع أبي العالية - واسمه رُفَيع بن مهران الرِّياحي مولاهم -، وعطاء بن أبي رباح مولى قريش، فانظر في رفعتهما بالعلم - وإن كانا من الموالي - إلى أرفع المراتب العوالي.