وعبارة"المراغي"هنا قوله: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} ؛ أي: فلا تظلموا في الأشهر الحرم أنفسكم باستحلال حرامها، فإن الله عظمها وعظم حرمتها، وقد خص بعض الأزمنة وبعض الأمكنة بأحكام من العبادات تقتضي ترك المحرمات فيها، تنشيطًا للنفوس على زيادة العناية بما يزكيها ويطهرها، فقد جرت عادة الإنسان أن يسأم الاستمرار على حال واحدة تشق عليه، ومن ثم جعل الله العبادات الدائمة خفيفة لا مشقة، كالصلوات الخمس، وخص يوم الجمعة بوجوب الاجتماع العام لصلاة ركعتين وسماع خطبتين تذكيرًا وموعظة حسنة تقوي في المؤمن حب الخير والتعاون على البر والتقوى، وخص رمضان بوجوب صيامه في كل سنة، وخص أيامًا معدودات من ذي الحجة بأداء مناسك الحج، وجعل ما قبلها وما بعدها من الأيام الحرم استعدادًا للسفر لأداء النسك، وحرم مكة وما حولها في جميع السنة، لتأمين الحج والعمرة التي تؤدى في كل وقت، وحرم رجب في وسط السنة، لتقليل شرور القتال وتخفيف أوزاره ولتسهيل السفر لأداء العمرة فيه، انتهت.
{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} ؛ أي: قاتلوا المشركين بأجمعكم مجتمعين على قتالهم {كمَا} أنهم {يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} ؛ أي: بأجمعهم مجتمعين على قتالكم.
والمعنى: تعاونوا وتناصروا على قتالهم، ولا تتخاذلوا ولا تتدابروا ولا تفشلوا ولا تجبنوا عن قتالهم، وكونوا عباد الله مجتمعين، متوافقين في مقاتلة أعدائكم من المشركين، كما أنهم يقاتلونكم على هذه الصفة.
وفيه دليل على وجوب قتال المشركين، وأنه فرض على الأعيان، إن لم يقم به البعض.
والمعنى: أي قاتلوهم جميعًا، وكونوا يدًا واحدةً على دفع عدوانهم وكف أذاهم، كما يقاتلونكم كذلك، ذاك أنهم إنما يقاتلونكم لدينكم وإطفاء نوره، لا للانتقام ولا للعصبية ولا لكسب المال، كما هو دأبهم في قتال قويهم لضعيفهم، فأنتم حينئذٍ أجدر وأولى بالاتحاد لدفع العدوان، وجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الشيطان هي السفلى، والله عزيز حكيم.