وذكر ابن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قلما يخرج في غزوة الأكنى عنها وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه عليه الصلاة والسلام بينها للناس ليتأهبوا لذلك أهبته {أَرَضِيتُم بالحياة الدنيا} وغرورها {مِنَ الآخرة} أي بدل الآخرة ونعيمها الدائم {فَمَا متاع الحياة الدنيا} أي فما فوائدها ومقاصدها أو فما التمتع بها وبلذائذها {فِى الآخرة} أي في جنب الآخرة {إِلاَّ قَلِيلٌ} مستحقر لا يعبأ به، والإظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير، و {فِى} هذه تسمى القياسية لأن المقيس يوضع في جنب ما يقاس به، وفي ترشيح الحياة الدنيا بما يؤذن بنفاستها ويسدعي الرغبة فيها وتجريد الآخرة عن مثل ذلك مبالغة في بيان حقارة الدنيا ودناءتها وعظم شأن الآخرة ورفعتها.
وقد أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن المسور قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ثم يرفعها فلينظر بم ترجع".
وأخرج الحاكم وصححه عن سهل قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فرأى شاة شائلة برجلها فقال: أترون هذه الشاة هينة على صاحبها؟ قالوا: نعم.
قال عليه الصلاة والسلام"والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله تعالى من هذه على صاحبها ولو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء"ولا أرى الاستدلال على رداءة الدنيا إلا استدلالاً في مقام الضرورة.
نعم هي نعمت الدار لمن تزود منها لآخرته. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 10 صـ}