في قوله تعالى:"يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم"بعد أن وصف المؤمنين بثلاث صفات وهي: الإيمان والهجرة والجهاد بالنفس والمال ، فبدأ بالرحمة في مقابلة الإيمان لتوقفها عليه وثنى بالرضوان الذي هو نهاية الإحسان في مقابلة الجهاد الذي فيه بذل الأنفس والأموال ، ثم ثلث بالجنات في مقابلة الهجرة وترك الأوطان ، إشارة إلى أنهم لما آثروا تركها بدلهم دارا عظيمة دائمة وهي الجنات وهذا فنّ طريف عرّفوه: بأنه ذكر متعدد على وجه التفصيل أو الإجمال ، ثم ذكر ما لكل واحد من المتعدد من غير تعيين ، ثقة بأن السامع يميز ما لكل واحد منها ثم يرده إلى ما هو له ، أما قسم التفصيل فهو ضربان:
آ - أن يكون النشر على ترتيب اللف ، بأن يكون الأول من المتعدد في النشر للأول من المتعدد في اللف والثاني للثاني وهكذا إلى الآخر. قال أحدهم:
ومقرطق يغني النديم بوجهه عن كأسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها في مقلتيه ووجنتيه وريقه
وكالآية التي نحن بصددها.
ب - أن يكون النشر على غير ترتيب اللف كقول أبي فراس:
وشادن قال لي لما رأى سقمي وضعف جسمي والدمع الذي انسجما
أخذت دمعك من خدي وجسمك من خصري وسقمك من طرفي الذي سقما
وأما قسم الإجمال فهو أن تلف الشيئين في الذكر ثم تتبعهما كلاما مشتملا على متعلق بأحدهما ومتعلق بآخر من غير تعيين كقوله تعالى:"وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى"فذكر الفريقين على طريق الإجمال دون التفصيل ثم ذكر ما لكل منهما ، فالمتعدد المذكور إجمالا هو الفريقان أو قولهما ، والأصل: قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، فلف بينهما لعدم الالتباس وللثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله.