فَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ كَقَوْلِهِ فِي آيَةِ الْعَنْكَبُوتِ: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (29: 40) .
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ مَا يَحْفَظُهُ التَّارِيخُ مِنْ وَقَائِعِ الْأُمَمِ مِنْ دَأْبِهَا وَعَادَتِهَا فِي الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَالظُّلْمِ فِي الْأَرْضِ ، وَمِنْ عِقَابِ اللهِ إِيَّاهَا ، هُوَ جَارٍ عَلَى سُنَّتِهِ تَعَالَى الْمُطَّرِدَةِ فِي الْأُمَمِ ، وَلَا يَظْلِمُ تَعَالَى أَحَدًا بِسَلْبِ نِعْمَةٍ ، وَلَا إِيقَاعِ نِقْمَةٍ ، وَإِنَّمَا عِقَابُهُ لَهُمْ أَثَرٌ طَبِيعِيٌّ ، لِكُفْرِهِمْ وَفَسَادِهِمْ وَظُلْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ - هَذَا هُوَ الْمُطَّرِدُ فِي كُلِّ الْأُمَمِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ . وَأَمَّا عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ بِعَذَابٍ سَمَاوِيٍّ فَهُوَ خَاصٌّ مِمَّنْ طَلَبُوا الْآيَاتِ مِنَ الرُّسُلِ ، وَأَنْذَرَهُمُ الْعَذَابَ إِذَا كَفَرُوا بِهَا فَفَعَلُوا .
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُون