أَرْشَدَنَا سُبْحَانَهُ فِي مُحْكَمِ آيَاتِهِ إِلَى أَنَّ الْأُمَمَ مَا سَقَطَتْ مِنْ عَرْشِ عِزِّهَا ، وَلَا بَادَتْ وَمُحِيَ اسْمُهَا مِنْ لَوْحِ الْوُجُودِ إِلَّا بَعْدَ نُكُوبِهَا عَنْ تِلْكَ السُّنَنِ الَّتِي سَنَّهَا اللهُ عَلَى أَسَاسِ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ ، إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ مِنْ عِزَّةٍ وَسُلْطَانٍ وَرَفَاهَةٍ وَخَفْضِ عَيْشٍ وَأَمْنٍ وَرَاحَةٍ ، حَتَّى يُغَيِّرَ أُولَئِكَ مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ نُورِ الْعَقْلِ ، وَصِحَّةِ الْفِكْرِ ، وَإِشْرَاقِ الْبَصِيرَةِ ، وَالِاعْتِبَارِ بِأَفْعَالِ اللهِ فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ ، وَالتَّدَبُّرِ فِي أَحْوَالِ الَّذِينَ جَارُوا عَنْ صِرَاطِ اللهِ فَهَلَكُوا ، وَحَلَّ بِهِمُ الدَّمَارُ ، ثُمَّ لِعُدُولِهِمْ عَنْ سُنَّةِ الْعَدْلِ ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الْبَصِيرَةِ وَالْحِكْمَةِ ، حَادُوا عَنِ الِاسْتِقَامَةِ فِي الرَّأْيِ ، وَالصِّدْقِ فِي الْقَوْلِ ، وَالسَّلَامَةِ فِي الصَّدْرِ ، وَالْعِفَّةِ عَنِ الشَّهَوَاتِ ، وَالْحَمِيَّةِ عَلَى الْحَقِّ ، وَالْقِيَامِ بِنَصْرِهِ ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى حِمَايَتِهِ ، خَذَلُوا الْعَدْلَ ، وَلَمْ يُجْمِعُوا هِمَمَهُمْ عَلَى إِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ ، وَاتَّبَعُوا الْأَهْوَاءَ الْبَاطِلَةَ ، وَانْكَبُّوا عَلَى الشَّهَوَاتِ الْفَانِيَةِ ، وَأَتَوْا عَظَائِمَ الْمُنْكَرَاتِ ، خَارَتْ عَزَائِمُهُمْ ، فَشَحُّوا بِبَذْلٍ مُهَجِهِمْ فِي حِفْظِ السُّنَنِ الْعَادِلَةِ وَاخْتَارُوا الْحَيَاةَ فِي الْبَاطِلِ عَلَى الْمَوْتِ فِي نُصْرَةِ الْحَقِّ ، فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ ، وَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ .